بحث لوحة التحكم مصر
خروج التسجيل مواضيع اليوم

العودة   عالم ابن مصر > ----عالم ابن مصر---- > قاعة كلمات > حبر و ورقة
التسجيّل الأسئلة الشائعة قائمة الأعضاء التقويم البحث مواضيع اليوم جعل جميع المنتديات مقروءة

المشاركة في الموضوع
   
 
قديم 12-01-2008, 09:52 PM   #16
معلم فحمه ...
 
الصورة الرمزية لـ hassan omran
 
تاريخ التسجيّل: Jun 2007
الإقامة: مصر
المشاركات: 7,359
hassan omran is on a distinguished road
Lightbulb

إقتباس:
المشاركة الأصلية بواسطة omarr مشاهدة مشاركة
ضحى .. حسن عمران ... عمرو

الى جانب التراجم الشخصيه والمعلومات عن حياه و ميول اهم ادباء اروبا ..فقد استمتعت
بالحوار بينكما ...
فى فتره الستينيات و دخول مصر مع الأتحاد السوفيتى فى علاقات وطيده ..تمت ترجمه
اعمال ادبيه رفيعه الشأن من اللغه الروسيه الى اللغه العربيه .. ووقعت فى يدى اعمال
عديده فى صبايا كنت اشتريها من عند سور الأزبكيه ...

الأن انا متيم بالأدب اللاتيتى " ادب امريكا الجنوبيه " .. جارسيا و ايزابيل الليندى ...



يارب تسلموا لى وللمنتدى كله ..
الى الأخ العزيز / عمر أطيب قلب

نيابة عن الأخت المحترمه / ضحى والأخ عمرو ميزا واحد

أوجه لك دعوة الأنضمام لنا لتضيف الى هذا الكنز

وتمتعنا كما أمتعتنا من قبل وفرصة تحكى لنا على فترة

الترجمة وأتجاهات مصر فى تلك الفترة الى الأدب الروسى

وبأسم المنتدى نشكر الأخت ضحى على المبادرة

لك تحياتى وأحترامى

...........................حسن عمران
اخر مواضيع hassan omran في المنتدى


آخر تعديل بواسطة hassan omran ، 12-01-2008 الساعة 10:44 PM.
hassan omran is offline   الرد مع إقتباس
قديم 12-01-2008, 10:48 PM   #17
معلم فحمه ...
 
الصورة الرمزية لـ hassan omran
 
تاريخ التسجيّل: Jun 2007
الإقامة: مصر
المشاركات: 7,359
hassan omran is on a distinguished road
Lightbulb شاعرنا / على محمود طه

[b]
شاعرنا على محمود طه
*ولد الشاعر "علي محمود طه" بمدينة المنصورة بمصر في 3 أغسطس سنة 1901 لأسرة من الطبقة الوسطى ، وتخرج في مدرسة الفنون التطبيقية سنة 1924 حاملاً شهادة تؤهله لمزاولة مهنة هندسة المباني واشتغل مهندساً في الحكومة لسنوات طويلة ، إلى أن يسر له اتصاله ببعض الساسة للعمل في مجلس النواب .
* أثر جمال الطبيعةعلي أشعاره
أتيح له بعد صدور ديوانه الأول " الملاح التائه " عام 1934 فرصة قضاء الصيف في السياحة في أوربا يستمتع بمباهج الرحلة في البحر ويصقل ذوقه الفني بما تقع عليه عيناه من مناظر جميلة . وقد احتل علي محمود طه مكانة مرموقة بين شعراء الأربعينيات في مصر منذ صدر ديوانه الأول " الملاح التائه "، وفي هذا الديوان نلمح أثر الشعراء الرومانسيين الفرنسيين واضحاً لا سيما شاعرهم لامارتين . وإلى جانب تلك القصائد التي تعبر عن فلسفة رومانسية غالبة كانت قصائده التي استوحاها من مشاهد صباه حول المنصورة وبحيرة المنزلة من أمتع قصائد الديوان وأبرزها .
* أشعاره كانت مثار إعجاب الشعراء
وعلي محمود طه من أعلام مدرسة أبولو التي أرست أسس الرومانسية في الشعر العربي كما ذكر . يقول عنه أحمد حسن الزيات: «كان شابًّا منضور الطلعة، مسجور العاطفة، مسحور المخيلة، لا يبصر غير الجمال، ولا ينشد غير الحب، ولا يحسب الوجود إلا قصيدة من الغزل السماوي ينشدها الدهر ويرقص عليها الفلك».
كان التغني بالجمال أوضح في شعره من تصوير العواطف، وكان الذوق فيه أغلب من الثقافة . وكان انسجام الأنغام الموسيقية أظهر من اهتمامه بالتعبير . قال صلاح عبد الصبور في كتابه " على مشارف الخمسين ": قلت لأنور المعداوي : أريد أن أجلس إلى علي محمود طه. فقال لي أنور : إنه لا يأتي إلى هذا المقهى ولكنه يجلس في محل " جروبي " بميدان سليمان باشا. وذهبت إلى جروبي عدة مرات، واختلست النظر حتى رأيته .. هيئته ليست هيئة شاعر ولكنها هيئة عين من الأعيان . وخفت رهبة المكان فخرجت دون أن ألقاه، ولم يسعف الزمان فقد مات علي محمود طه في 17 نوفمبرسنة 1949 إثر مرض قصير لم يمهله كثيراً وهو في قمة عطائه وقمة شبابه ، ودفن بمسقط رأسه بمدينة المنصورة . ورغم افتتانه الشديد بالمرأَة وسعيه وراءها إلا أنه لم يتزوج .
ويرى د. سمير سرحان ود. محمد عناني أن «المفتاح لشعر هذا الشاعر [علي طه] هو فكرة الفردية الرومانسية والحرية التي لا تتأتى بطبيعة الحال إلا بتوافر الموارد المادية التي تحرر الفرد من الحاجة ولا تشعره بضغوطها.. بحيث لم يستطع أن يرى سوى الجمال وأن يخصص قراءاته في الآداب الأوروبية للمشكلات الشعرية التي شغلت الرومانسية عن الإنسان والوجود والفن، وما يرتبط بذلك كله من إعمال للخيال الذي هو سلاح الرومانسية الماضي.. كان علي محمود طه أول من ثاروا على وحدة القافية ووحدة البحر، مؤكداً على الوحدة النفسية للقصيدة، فقد كان يسعى - كما يقول الدكتور محمد حسين هيكل في كتابه ثورة الأدب - أن تكون القصيدة بمثابة "فكرة أو صورة أو عاطفة يفيض بها القلب في صيغة متسقة من اللفظ تخاطب النفس وتصل إلى أعماقها من غير حاجة إلى كلفة ومشقة.. كان على محمود طه في شعره ينشد للإنسان ويسعى للسلم والحرية؛ رافعاً من قيمة الجمال كقيمة إنسانية عليا..».
تأثر طه بشعراء الرمزية أمثال بودلير، ألفريد دي فيني، شيللي، وجون مانسفيلد.
* الكتب التي صدرت عنه
• كتاب أنور المعداوي " علي محمود طه: الشاعر والإنسان " .
• كتاب للسيد تقي الدين " علي محمود طه، حياته وشعره " .
• كتاب محمد رضوان " الملاح التائه علي محمود طه " .
* أشهر أعماله
• الملاح التائه ، عام 1934 .
• ميلاد الشاعر .
• الوحي الخالد .
• ليالي الملاح التائه (1940) .
• أرواح وأشباح (1942) .
• شرق وغرب (1942) .
• زهر وخمر (1943) .
• أغنية الرياح الأربع (1943) .
• الشوق العائد (1945) . وغيرها .
• طبع ديوانه كاملاًََ في بيروت .
وهذه أشهر قصائده الجندول والتى غناها الأستاذ محمد عبد الوهاب

اين من عيني هاتيك المجالي ياعروس البحر , ياحلم الخيال
اين عشاقك سمار الليالي اين من واديك يامهد الجمال
موكب الغيد وعيد الكرنفال وسرى الجندول في عرض القتال

بين كأس يتشهى الكرم خمره
وحبيب يتمنى الكأس ثغره
التقت عيني به أول مره
فعرفت الحب من أول نظره
أين من عيني هاتيك المجالي ياعروس البحر , يا حلم الخيال
مر بي مستضحكا في قرب ساقي يمزج الراح بأقداح رقاق
قد قصدناه على غير اتفاق فنظرنا , و ابتسمنا للتلاقي
وهو يستهدي على المفرق زهره
ويسوي بيد الفتنة شعره
حين مست شفتي اول قطره
خلته ذوب في كأسي عطره
أين من عيني هاتيك المجالي ياعروس البحر , يا حلم الخيال
ذهبي الشعر , شرقي السمات مرح الأعطاف , حلو اللفتات
كلما قلت له : خذ . قال : هات ياحبيب الروح يا أنس الحياة
أنا من ضيع في الاوهام عمره
نسي التاريخ أو أنسي ذكره
غير يوم لم يعد يذكره غيره
يوم ان قابلته أول مرة
أين من عيني هاتيك المجالي ياعروس البحر , ياحلم الخيال
قال: من اين ؟ وأصغي ورنا قلت : من مصر , غريب ههنا
قال : ان كنت غريبا فأنا لم تكن فينيسيا لي موطنا
أين مني الان أحلام البحيرة
وسماء كست الشطآن نضره
منزلي منها على قمة صخره
ذات عين من معين الماء ثره
أين من فارسوفيا تلك المجالي يا عروس البحر , ياحلم الخيال
قلت, والنشوة تسري في لساني: هاجت الذكرى , فأين الهرمان
أين وادي السحر صداح المغاني؟ أين ماء النيل ؟ أين الضفتان
آه لو كنت معي نختال عبره
بشراع تسبح الأنجم اثره
حيث يروي الموج في أرخم نبره
حلم ليل من ليالي كليوبتره
أين من عيني هاتيك المجالي يا عروس البحر , ياحلم الخيال
ايها الملاح قف بين الجسور فتنة الدنيا وأحلام الدهور
صفق الموج لولدان وحور يغرقون الليل في ينبوع نور
ماترى الاغيد وضاء الاسره؟
دق بالساق وقد اسلم صدره
لمحب لف بالساعد خصره؟
ليت هذا الليل لا يطلع فجره
أين من عيني هاتيك المجالي ياعروس البحر , ياحلم الخيال
رقص الجندول كالنجم الوضي فاشد ياملاح بالصوت الشجي
وترنم بالنشيد الوثني هذه الليلة حلم العبقري
شاعت الفرحة فيها والمسره
وجلا الحب على العشاق سره
يمنة مل بي على الماء ويسره
ان للجندول تحت الليل سحره
اين يافينيسيا تلك المجالي؟ أين عشاقك سما ر الليالي ؟
أين من عيني يامهد الجمال ؟ موكب الغيد وعيد الكرنفال؟

ياعروس البحر , ياحلم الخيال !!

حررها / حسن عمران
بتصرف


[/B:
اخر مواضيع hassan omran في المنتدى


آخر تعديل بواسطة hassan omran ، 12-01-2008 الساعة 11:10 PM.
hassan omran is offline   الرد مع إقتباس
قديم 12-01-2008, 11:02 PM   #18
معلم فحمه ...
 
الصورة الرمزية لـ hassan omran
 
تاريخ التسجيّل: Jun 2007
الإقامة: مصر
المشاركات: 7,359
hassan omran is on a distinguished road
Lightbulb أبراهيم ناجى

أبراهيم ناجى

ولد الشاعر إبراهيم ناجي في حي شبرا بالقاهرة في اليوم الحادي والثلاثين من شهر ديسمبر في عام 1898، وكان والده مثقفاً مما أثر كثيراً في تنمية موهبته وصقل ثقافته، وقد تخرج الشاعر من مدرسة الطب في عام 1922، وعين حين تخرجه طبيباً في وزارة المواصلات ، ثم في وزارة الصحة ، ثم مراقباً عاماً للقسم الطبي في وزارة الأوقاف.

- وقد نهل من الثقافة العربية القديمة فدرس العروض والقوافي وقرأ دواوين المتنبي وابن الرومي وأبي نواس وغيرهم من فحول الشعر العربي، كما نـهل من الثقافة الغربية فقرأ قصائد شيلي وبيرون وآخرين من رومانسيي الشعر الغربي.

- بدأ حياته الشعرية حوالي عام 1926 عندما بدأ يترجم بعض أشعار الفريد دي موسييه وتوماس مور شعراً وينشرها في السياسة الأسبوعية ، وانضم إلى جماعة أبولو عام 1932م التي أفرزت نخبة من الشعراء المصريين والعرب استطاعوا تحرير القصيدة العربية الحديثة من الأغلال الكلاسيكية والخيالات والإيقاعات المتوارثة .

- وقد تأثر ناجي في شعره بالاتجاه الرومانسي كما اشتهر بشعره الوجداني ، وكان وكيلاً لمدرسة أبوللو الشعرية ورئيساً لرابطة الأدباء في مصر في الأربعينيات من القرن العشرين .

وقد قام ناجي بترجمة بعض الأشعار عن الفرنسية لبودلير تحت عنوان أزهار الشر، وترجم عن الإنكليزية رواية الجريمة والعقاب لديستوفسكي، وعن الإيطالية رواية الموت في إجازة، كما نشر دراسة عن شكسبير، وقام بإصدار مجلة حكيم البيت ، وألّف بعض الكتب الأدبية مثل مدينة الأحلام وعالم الأسرة وغيرهما.

- واجه نقداً عنيفاً عند صدور ديوانه الأول من العقاد وطه حسين معاً ، ويرجع هذا إلى ارتباطه بجماعة أبولو وقد وصف طه حسين شعره بأنه شعر صالونات لا يحتمل أن يخرج إلى الخلاء فيأخذه البرد من جوانبه ، وقد أزعجه هذا النقد فسافر إلى لندن وهناك دهمته سيارة عابرة فنقل إلى مستشفى سان جورج وقد عاشت هذه المحنة في أعماقه فترة طويلة حتى توفي في الرابع والعشرين من شهر مارس في عام 1953.

- وقد صدرت عن الشاعر إبراهيم ناجي بعد رحيله عدة دراسات مهمة، منها: إبراهيم ناجي للشاعر صالح جودت ، وناجي للدكتورة نعمات أحمد فؤاد ، كما كتبت عنه العديد من الرسائل العلمية بالجامعات المصرية .

ومن أشهر قصائده قصيدة الأطلال التي تغنت بها أم كلثوم ولحنها الموسيقار الراحل رياض السنباطي .

ومن دواوينه الشعرية :

وراء الغمام (1934) ، ليالي القاهرة (1944)، في معبد الليل (1948) ، الطائر الجريح (1953) ، وغيرها . كما صدرت أعماله الشعرية الكاملة في عام 1966 بعد وفاته عن المجلس الأعلى للثقافة.

ومن قصائده
ملحمة الأطلال

يا فؤادي رحم اللهُ الهوى
كان صرحاً من خيال فهوى
يا رياحا ليس يهدا عصفها
نضب الزيتُ ومصباحي انطفا
*** ***
ليت شعري أين منه مهربي
أي يمضي هاربٌ من دمِهِ
آه يا قِبلة أقدامي إذا
شكتِ الأقدامُ أشواكَ الطريقْ
أنت روح في سمائي وأنا
لك أعلو فكأني محضُ روحُ
أنتِ حسن في ضحاه لم يَزَلْ
وأنا عنديَ أحزان الطَفَل
*** ***
ويراني الناسُ روحاً طائراً
والجوى يطحنني طحن الرحى؟
يا حياة اليائس المنفرد
يا يباباً ما به من أحدِ
واثقُ الخطوةِ يمشي ملكا
ظالمُ الحسنِ شهيُّ الكبرياءْ
وأنا حبٌّ وقلبٌ ودمٌ
وفراشٌ حائرٌ منك دنا
قد عرفنا صولةَ الجسمِ التي
تحكم الحيَّ وتطغي في دماه
يا لمنفيين ضلاّ في الوعورْ
دميا بالشوك فيها والصخورْ...
*** ***
أنتِ من أسدلها لا تدعي
انني أسدلت هذي الحُجُبا
قد حنت رأسي ولو كل القوى
تشتري عزة نفسي لم أبعها
وحنيني لك يكويْ أعظمي
والثواني جمرات في دمي
أيها الظالم بالله إلى كم
اسفح الدمعَ على موطئها
آه من قيدك أدمى معصمي
لمَ أبقيهِ وما أبقى عليّ
وهبِ الطائر عن عشك طارا
جفتِ الغدرانُ والثلجُ أعارا
لا رعى اللهُ مساءً قاسيا
قد أرانيْ كلَّ أحلامي سدى
كنت تدعوني طفلاً كلما
ثار حبي وتندتْ مقلي
*** ***
لي نحو اللهبِ الذاكي به
لَفتة العود إذا صار وقودا
نوّحتْ للذِكَرِ
وشكتْ للقمرِ
يقبسان النورَ من روحيْهما
كلما قد ضنتِ الدنيا بنورْ
أنت قد صيرت أمري عجبا
كثرتْ حوليَ أطيارُ الربى
حجبتْ تأبى لعيني ماربا
غير عينيك ولا مطلبا
ولكم صاح بي اليأسُ انتزعها
فيرد القدرُ الساخرُ: دعها
وليَ الويل إذا لبيتُها
ولي الويلُ إذا لم أتبعها
*** ***
لك ابطاءُ الدلالِ المنعمِ
وتجنيْ القادرِ المحتكمِ
وأنا مرتقبٌ في موضعي
مرهفُ السمعِ لوقعِ القدمِ
قدم تخطو وقلبي مشبه
موجة تخطو إلى شاطئها
رحمةٌ أنت فهل من رحمةٍ
لغريبِ الروحِ أو ظامئها
أعطني حريتي أطلقٌ يديّ
انني اعطيتُ ما استبقيتُ شيّ
ما احتفاظي بعهود لم تصنْها
والإم الأسر والدنيا لديْ
*** ***
هذه الدنيا قلوب جَمَدتْ
خبتِ الشعلةُ والجمرُ توارى
لا تسلْ واذكرْ عذابَ المصطليْ
وهو يذكيهِ فلا يقبسُ نارا
وأراني قلبَ من أعبدُهُ
ساخراً من مدمعي سخر العدا
صدئت روحك في غيابِها
وكذا الأرواح يعلوها الصدا
قد رأيتُ الكونَ قبراً ضيقا
خيّم اليأسُ عليهِ والسكوتْ
*** ***
كنت ترثي لي وتدري ألمي
لو رثى للدمع تمثال تموتْ
ولك الحق لقد عاش الهوى
فيّ طفلاً ونما لم يعقلِ
رمت الطفلَ فأدمتْ قلبهُ
وأصابتْ كبرياءَ الرجلِ
قلت للنفس وقد جزْنا الوصيدا
عجلي لا ينفعُ الحزمُ وئيدا
ودعي الهيكلَ شبتْ نارُهُ
تأكلُ الركَّعَ فيهِ والسجودا
لي نحو اللهبِ الذاكي به
لَفتة العود إذا صار وقودا
*** ***
لستُ أنسى ابداً
ساعة في العمرِ
نوّحتْ للذِكَرِ
وشكتْ للقمرِ
هاك ما قد صبت الريح
باذن الشاعر
يقبسان النورَ من روحيْهما
كلما قد ضنتِ الدنيا بنورْ
*** ***
أنت قد صيرت أمري عجبا
كثرتْ حوليَ أطيارُ الربى
فإذا قلت لقلبي ساعةً
قم نغردْ لسوى ليلى أبى
حجبتْ تأبى لعيني ماربا
غير عينيك ولا مطلبا
أنتِ من أسدلها لا تدعي
انني أسدلت هذي الحُجُبا
ولكم صاح بي اليأسُ انتزعها
فيرد القدرُ الساخرُ: دعها
يا لها من خطة عمياء لو
أنني أبصر شيئاً لم أطعها
وليَ الويل إذا لبيتُها
ولي الويلُ إذا لم أتبعها
قد حنت رأسي ولو كل القوى
تشتري عزة نفسي لم أبعها
*** ***
يا حبيباً زرتُ يوماً أيكَهُ
طائر الشوق أغنيْ ألمي
لك ابطاءُ الدلالِ المنعمِ
وتجنيْ القادرِ المحتكمِ
وحنيني لك يكويْ أعظمي
والثواني جمرات في دمي
وأنا مرتقبٌ في موضعي
مرهفُ السمعِ لوقعِ القدمِ
*** ***
قدم تخطو وقلبي مشبه
موجة تخطو إلى شاطئها
أيها الظالم بالله إلى كم
اسفح الدمعَ على موطئها
رحمةٌ أنت فهل من رحمةٍ
لغريبِ الروحِ أو ظامئها
يا شفاء الروح روحي تَشتكي
ظلمَ آسيها إلى بارئها...
أعطني حريتي أطلقٌ يديّ
انني اعطيتُ ما استبقيتُ شيّ
آه من قيدك أدمى معصمي
لمَ أبقيهِ وما أبقى عليّ
ما احتفاظي بعهود لم تصنْها
والإم الأسر والدنيا لديْ
ها أنا جفتْ دموعي فاعفُ عنها
انها قبلَك لم تبذلْ لحيْ
*** ***
وهبِ الطائر عن عشك طارا
جفتِ الغدرانُ والثلجُ أعارا
هذه الدنيا قلوب جَمَدتْ
خبتِ الشعلةُ والجمرُ توارى
وإذا ما قبس القلبِ غدا
من رمادٍ لا تسلْهُ كيف صارا
لا تسلْ واذكرْ عذابَ المصطليْ
وهو يذكيهِ فلا يقبسُ نارا
لا رعى اللهُ مساءً قاسيا
قد أرانيْ كلَّ أحلامي سدى
وأراني قلبَ من أعبدُهُ
ساخراً من مدمعي سخر العدا
ليت شعري أي أحداث جرت
أنزلت روحَك سجناً موصدا
صدئت روحك في غيابِها
وكذا الأرواح يعلوها الصدا
*** ***
قد رأيتُ الكونَ قبراً ضيقا
خيّم اليأسُ عليهِ والسكوتْ
ورأت عيني أكاذيبَ الهوى
واهياتٍ كخيوطِ العنكبوتْ
كنت ترثي لي وتدري ألمي
لو رثى للدمع تمثال تموتْ
كنت تدعوني طفلاً كلما
ثار حبي وتندتْ مقلي
ولك الحق لقد عاش الهوى
فيّ طفلاً ونما لم يعقلِ
ورأى الطعنة إذ صوبتها
فمشت مجنونة للمقتل
رمت الطفلَ فأدمتْ قلبهُ
وأصابتْ كبرياءَ الرجلِ
*** ***
قلت للنفس وقد جزْنا الوصيدا
عجلي لا ينفعُ الحزمُ وئيدا
ودعي الهيكلَ شبتْ نارُهُ
تأكلُ الركَّعَ فيهِ والسجودا
يتمنّى لي وفائي عودةً
والهوى المجروحُ يأبي أن نعودا
لي نحو اللهبِ الذاكي به
لَفتة العود إذا صار وقودا
*** ***
لستُ أنسى ابداً
ساعة في العمرِ
تحت ريحٍ صفقتْ
لارتقاصِ المطرِ
نوّحتْ للذِكَرِ
وشكتْ للقمرِ
وإذا ما طربتْ
عربدتْ في الشجرِ
هاك ما قد صبت الريح
باذن الشاعر
وهي تغري القلب اغراء
النصيح الفاجر
*** ***
أيها الشاعر تغفو
تذكرُ العهدَ وتصحو
وإذا ما التأم جرحٌ
جد بالتذكارِ جرحُ
فتعلمْ كيف تنسى
وتعلْم كيف تمحو
أو كل الحب في رأيِكَ
غفرانٌ وصفحٌ
هاك فانظرْ عددَ الرملِ
قلوبا ونساءْ
فتخيرْ ما تشاءْ
ذهب العمرُ هباءْ
ضل في الأرض الذي
ينشد أبناء السماءْ
أي روحانية تعصر
من طين وماءْ ...
*** ***
أيها الريح أجلْ لكنما
هي حبي وتعلاتي ويأسي
هي في الغيبِ لقلبي خلقتْ
أشرقتْ لي قبل أن تشرقَ شمسِ
وعلى موعدها أطبقتُ عيني
وعلى تذكارها وسدتُ رأسي
جنّتِ الريحُ ونادته
شياطين الظلام..
أختاماً كيف يحلولك
في البدء الختام
*** ***
يا جريحا اسلمَ الجرحَ
حبيبا نكأهْ
هو لا يبكي إذا الناعي
بهذا نبأهْ
أيها الجبار هل تصرع
من أَجل امرأهْ..
*** ***
يا لها من صيحةٍ ما بعثت
عنده غير أليمِ الذكرِ
ارقت في جنبه فاستيقظت
كبقايا خنجر منكسرِ
لمع النهرُ وناداه له
فمضى منحدراً للنهرِ
ناضبُ الزادِ وما من سفرِ
دون زادٍ غير هذا السفرِ
*** ***
يا حبيبي كل شيء بقضاءْ
ما بأيدينا خُلِقْنا تعساءْ
ربما تجمعُنا أقدارُنا
ذات يومٍ بعدما عزّ اللقاءْ
فاذا أنكر خلٌّ خلَّه
وتلاقينا لقاءَ الغرباءْ
ومضى كلٌّ إلى غايتِهِ
لا تقلْ شيئاً! وقل لي الحظ شاءْ
*** ***
يا مغني الخلد ضيعت العمرْ
في أناشيد تغنّى للبشرْ
ليس في الأحياءِ من يسمعنا
مالنا لسنا نغني للحجرْ
للجمارات التي ليستْ تعي
والرميمات البوالي في الحفرْ
غنّها سوف تراها انتفضتْ
ترحم الشادي وتبكي للوترْ
يا نداء كلما أرسلتُهُ
رد مقهوراً وبالحظَّ ارتطم
وهتافاً من أغاريد المنى
عاد لي وهو نواحٌ وندمْ
رب تمثالٍ جمالٍ وسنا
لاح لي والعيش شجو وظلمْ
ارتمى اللحنُ عليهِ جاثياً
ليس يدريْ أنه حسنٌ أصمْ
*** ***
هدأ الليلُ ولا قلب له
أيها الساهر يدري حيرتكْ
أيها الشاعر خذ قيثارتكّ
غنِّ أشجانك واسكبْ دمعتَكْ
رب لحن رقص النجُم له
وغزا السحب وبالنجم فتكْ
غنّهِ حتى نرى سترَ الدجى
طلع الفجرُ عليه فانهتكْ
وإذا ما زهرات ذعرت
ورأيت الرعبَ يغشى قلبها
فترفقْ واتئدْ واعزفْ لها
من رقيقِ اللحنِ وامسحْ رعبَها
ربما نامتْ على مهدِ الأسى
وبكتْ مستصرخاتٍ ربها
أيها الشاعر كم من زهرةٍ
عوقبتْ لم تدرِ يوماً ذنبَها
*** ***
حررها/ حسن عمران
بتصرف


اخر مواضيع hassan omran في المنتدى


آخر تعديل بواسطة hassan omran ، 12-01-2008 الساعة 11:12 PM.
hassan omran is offline   الرد مع إقتباس
قديم 12-01-2008, 11:10 PM   #19
مهما خدتني المدن
 
الصورة الرمزية لـ عتاب
 
تاريخ التسجيّل: Nov 2005
الإقامة: زوجــــــ حبيبي ــــــي
المشاركات: 37,559
عتاب is on a distinguished road
موضوع جميل يا ضحى

كما عودتينا دائما

بس المشكلة انه طويل

هاكمل قراءته شوية شوية
اخر مواضيع عتاب في المنتدى

عتاب is offline   الرد مع إقتباس
قديم 13-01-2008, 01:15 PM   #20
عضو مسجل
 
الصورة الرمزية لـ duha
 
تاريخ التسجيّل: Jan 2007
المشاركات: 9,253
duha is on a distinguished road
اهلا عمرنورت الموضوع بمروركانتظر مشاركاتك
اخر مواضيع duha في المنتدى

duha is offline   الرد مع إقتباس
قديم 13-01-2008, 01:18 PM   #21
عضو مسجل
 
الصورة الرمزية لـ duha
 
تاريخ التسجيّل: Jan 2007
المشاركات: 9,253
duha is on a distinguished road
إقتباس:
المشاركة الأصلية بواسطة عتاب مشاهدة مشاركة
موضوع جميل يا ضحى

كما عودتينا دائما

بس المشكلة انه طويل

هاكمل قراءته شوية شوية
اهلا عتاب
نورتي الموضوع بمرورك
اقري الموضوع على اقل من مهلك انا مش بحب اتعبك
شكرا عتاب
اخر مواضيع duha في المنتدى


آخر تعديل بواسطة duha ، 13-01-2008 الساعة 01:25 PM.
duha is offline   الرد مع إقتباس
قديم 20-01-2008, 03:09 PM   #22
عضو مسجل
 
الصورة الرمزية لـ duha
 
تاريخ التسجيّل: Jan 2007
المشاركات: 9,253
duha is on a distinguished road
رابندراناث طاغور
[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا][عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا][عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]. ولد عام 1857 في القسم البنغالى من مدينة [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] وتلقى تعليمه في منزل الأسرة على يد أبيه ديبندرانات وأشقاؤه ومدرس يدعى دفيجندرانات الذي كان عالماً وكاتباً مسرحياً وشاعراً وكذلك درس رياضة الجودو. درس طاغور اللغة [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] لغته الأم وآدابها واللغة [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] ونال [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] عام 1913 وأنشأ مدرسة فلسفية معروفة باسم فيسفا بهاراتي أو الجامعة الهندية للتعليم العالى في عام [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] في اقليم شانتي نيكتان بغرب البنغال.

أهم أعماله
  • (جيتانجالي) أو القربان الشعري
  • جورا (رواية)
  • كتب البريد (مسرحية)

أهم أفكاره
  • نبذه لفكرة التعصب والتى سادت بين كثير من الطوائف والأديان في الهند المقسمة وتجلى ذلك في روايته (جورا) التي فضحت التعصب الهندوسى فتسبب ذلك استياء أهله ،فسافر إلى إنجلترا عام 1909 ليصيب شهرة بعد ترجمة العديد من أعماله للغة الإنجليزية.
  • محبة الإنسانية جمعاء بدلاً من التمسك بالحب الفردى والخاص وكان ذلك بعد فقده لأمه وانتحار شقيقته وكذلك وفاة زوجه وثلاثة من أطفاله ووالده.
  • اختلافه مع الزعيم الروحى الهندى [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] الذي اعتمد على بساطة العيش والزهد كسلاح لمقاومة الاستعمار الانجليزى وهو ما رآه طاغور تسطيحاً لقضية المقاومة وهو أول شاعر آسيوي حصل على جائزة نوبل.

وفاته

توفى طاغور عن عمر يناهز 84 عاماً وذلك في عام [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]

من ويكيبيديا
الدين الزائف



أولئك الذين يعانقون الوهم باسم الدين
فيقـتـُلون ويـُقـتـَلون
حتى الملحد يحصل على بركة الله فلا تفخر بدينك
إنه يوقد في خشوع مصباح العقل ويقدم تمجيده
لا إلى الكتب ولكن لكل شئ طيب في الإنسان
إن الطائفي يلعن دينه
حين يقتل إنساناً من غير دينه
وهو لا يقوم السلوك على ضوء العقل
ويرفع في المعبد العلم الملطخ بالدماء
ويعبد الشيطان في صورة الإله
كل هذا الذي تم عبر الأحقاب والعصور
مخجل ووحشي قد وجد ملاذه في معابدكم
التي تحولت إلى سجون
لقد سمعت أصوات أبواق التدمير تبلغ الزمن بمكنستها الجارفة لتكنس كل المهملات
كل ما يحرر الإنسان يحولونه إلى قيود
وكل ما يوحده يحولونه إلى سيوف
وكل ما يحمل الحب من النبع الخالد يحولونه إلى سجون
يحاولون اجتياز النهر في سفينة مثقوبة
يا إلهي دمر الدين الزائف
وانقذ الأعمى
ولتهشم
ولتهشم المعبد الملطخ بالدماء
ودع هزيم الرعد ينفذ إلى سجن الدين الزائف
واحمل إلى هذه الأرض التعسة نور المعرفة







من اجمل قصائد طاغور

لما تسمعين الضحكات
ستذكرين دموعي..
ولما ترين الغدر
ستذكرين وفائي..
ولما تشعرين بقسوة البشر
ستذكرين شفقتي ..
…………
وستبكين
كما بكيت انا من قبل
وسيغدر بك الزمان
كما غدرت بي
وسيقسو عليك البشر
كما قسوت عليّ
……………
تلك نبوءتي
يا طفلتي المسكينة
فليتها كاذبة
وليتك لا تذكريني
فان في ذكراي
شقاء وحسره



اخر مواضيع duha في المنتدى

duha is offline   الرد مع إقتباس
قديم 20-01-2008, 03:13 PM   #23
عضو مسجل
 
الصورة الرمزية لـ duha
 
تاريخ التسجيّل: Jan 2007
المشاركات: 9,253
duha is on a distinguished road
الرسالة
طاغور


Silence \ Joan Miro

أستيقظت فألفيت رسالته قادمة مع الصباح
لا أعلم ماذا كانت تقول، فلم يؤت لي أن أتعلّم القراءة.
سأدع الرجل العالم عاكفاً علي كتبه، و لن أضايقه أبداً، تراه يستطيع أن يفهم ماذا تعني الرسالة؟
دعني ألمسها بجبيني وأشدّها إلى قلبي حين يمتدّ الليل ساكناً وتسري النجوم نجماً في إثر نجم سأفتح الرسالة على ركبتيّ وألوذ بالصّمتلم يتأتّ لي أن أحظى بما أبحثُ عنه، لم استطع أن أفهم ما أتشوّق إلى معرفته
لكنّ هذه الرسالة التي لم تتم لي قراءتها قد خففت من أعبائي وأحالت أفكاري إلى أغنيات


اخر مواضيع duha في المنتدى

duha is offline   الرد مع إقتباس
قديم 23-01-2008, 02:24 PM   #24
عضو مسجل
 
الصورة الرمزية لـ duha
 
تاريخ التسجيّل: Jan 2007
المشاركات: 9,253
duha is on a distinguished road
آنا أندرييفنا أخماتوفا (1889-1966)
لقبها الحقيقي غورينكو، شاعرة ومترجمة وباحثة روسية. سطع نجمها في العصر الفضي للأدب الروسي ليتجاوزه فيما بعد. عاشت حياة صعبة مليئة بالفواجع. حظرت مؤلفاتها في الاتحاد السوفييتي بين عامي 1946- 1956م.
من أعملها:
المساء
السبحة
السرب الأبيض
Anno Domini
قصيدة بلا بطل
بالإضافة إلى:
ترجمات إلى الروسية لعدد من الشعراء كطاغور وهوغو.
دراسات أدبية عن بوشكين.


من يدي يأكل الحمام

شعر: آنا أخماتوفا - روسيا


كم من الأحجار رُميت عليّ!
كثيرة حدّ أنّي ما عدتُ أخافها
كثيرة حدّ أنّ حفرتي أصبحت برجا متينا،
شاهقا بين أبراج شاهقة.
أشكر الرماة البنّائين
عساهم جنَّبون الهموم والأحزان
فمن هنا سوف أرى شروق الشمس قبل سواي
ومن هنا سوف يزداد شعاع الشمس الأخير ألقاً.
ومن نوافذ غرفتي
غالبا ما سوف تتغلغل النسمات الشمالية
ومن يدي سوف يأكل الحمام حبوب القمح.
أما صفحتي غير المنتهية
فيد الإلهام السمراء
ذات الهدوء والرقّة الالهيين
هي التي سوف
من هنا
من علٍ
تنهيها.

سوف تأتي في كل الأحوال يا أيها الموت
فلِمَ ليس الآن؟
انني انتظركـ وقد نفد صبري.
من أجلكَـ أطفأتُ الأضواء
وفتحتُ الباب
يا بسيطا كأعجوبة.
فتعال من فضلكـ
تعال بأي قناعٍ ترغب:
إنفجر فيّ كمثل قنبلة غازية
أو تسلّل واسرقني على غرار رجل عصابة،
سمّمني بدخانكـ التيفوسيّ
أو كن الأسطورة التي حلمنا بها أطفالا
و المألوفة حد الاشمئزاز من الجميع
الأسطورة التي ألمح فيها طرف معطف أزرق باهت
ووجه خادمٍ شاحب من فرط الخوف.

لم يعد ثمة ما يهمّني بعد الآن
فنهر الينيسي يجري
ونجمة الشمال تلمع
والرعب الأخير يُـبهِت
البريق الأزرق للعينين المعشوقتين.

سوف أشرب نخبا أخيرا لمنزلنا المدمَّر
لحياتنا التعيسة
لوحدةٍ عشناها اثنين
وسأشرب نخبكَ أيضا:
نخب خداع شفتيكـ اللتين خانتا،
نخب جليد عينيكـ الميت،
نخب هذا العالم الوحش .
الحنان الحقيقي لا يشبه شيئا:
صامتٌ هو.
بلا جدوى إذا تغطي كتفيّ
وصدري بمعطف الفرو.
وبلا جدوى كلماتكـ المهموسة
عن روعة الحب الأول:
كم بتّ أعرفها جيدا
نظراتكـ هذه العنيدة والجشعة!

لا أعلم هل أنتَ حي أو ميت
هل على هذه الأرض أستطيع البحث عنكـ
أم يمكنني فقط
عندما يخبو المغيب
أن أندبكَـ بصفاء في أفكاري؟

كلّ شيء لكـ: صلاة النهار
حرّ الليل الأرِق
والأبيضُ من سرب أشعاري
والأزرقُ من نار عينيّ.

لم يُعشَق أحد أكثر منكـ،
لم يعذّبني أحد اكثر منكـ،
ولا حتى ذاكـ الذي خانني حتى كدتُ احتضر
ولا حتى ذاكـ الذي غمرني ورحل.

لقد علّمتُ نفسي أن أعيش ببساطةٍ وحكمة
أنظر الى السماء وأصلّي للرب
أتنزّه طويلا قبل نزول المساء
كي أُنهكـ همومي الباطلة.
وعندما الأشواكـ تصنع حفيفها في الوهد
وعندما تتدلّى عناقيد السّمَّـن الحمراء
أكتب أبياتا فرحة
عن انحطاط الحياة،
عن انحطاطها وجمالها.
ثم أعود من نزهتي.
الهرّة الكثيفة الزغب تلحس راحة يدي،
تخرخر بنعومة
والنار تتوهج فجأة
على برج المنشرة الصغير عند البحيرة.
وحدها صرخة لقلاق يحطّ على السقف
تكسر الصمت من حين الى حين:
لقد علّمتُ نفسي أن أعيش ببساطةٍ وحكمة:
حتى إذا قرعتم بابي
لن
أسمعكم
ربما.


هكذا هو الحب:
تارةً يتلوّى كمثل أفعى
ويمارس سحره في أنحاء القلب
وطوراً يهدل كيمامةٍ
على حافة نافذتي البيضاء.

هكذا هو الحبّ:
قد يبرق على الجليد المتلألئ
أو يتراءى لي في غفوة القرنفلة
لكنه بعنادٍ وصمت
يخطف منّي راحة البال.

أسمعه ينتحب برقّة
في صلاة كماني المعذّب
وكم أخاف حين يعلن قدومه
في ابتسامة رجلٍ غريب.

أنا صوتكم يا عشّاقي الكاذبين،
وحرارةُ لهاثكم
وانعكاسُ وجوهكم في المرآة
والخفقان الباطل لأجنحتكم الباطلة...
لا يهمّ من أنا،
فحتى اللحظة الأخيرة سأرافقكم.
لهذا تدّعون حبّي بجشعٍ
رغم ذنوبي وشروري
ولهذا تعهدون إليّ بخيرة أبنائكم.
لهذا لا تسألون عنه قط
وتلفّون منزلي الخالي على الدوام
بمدائحكم الدخانية.
لهذا تقولون: لا يمكن اثنين أن يلتحما أكثر منّا،
وتقولون: لا يمكن أحدا ان يحبّ امرأة بجنون أشدّ.

مثلما يتوق الظل الى الانفساخ عن الجسد
مثلما يتوق الجسد الى الانفصال عن الروح
هكذا أنا اليوم
أتوق يا عشّاقي الكاذبين
إلى أن تنسوني.

اخر مواضيع duha في المنتدى

duha is offline   الرد مع إقتباس
قديم 23-01-2008, 02:28 PM   #25
عضو مسجل
 
الصورة الرمزية لـ duha
 
تاريخ التسجيّل: Jan 2007
المشاركات: 9,253
duha is on a distinguished road
قصيدتان لانا اخماتوف
من مجموعتها الولى المساء

وبينما كان كل منا يلعن الآخر
في شغف متقد حد الانصهار،
لم نكن كلانا قد أدركنا بعد
ما أصغر الأرض على شخصين،
وأن الذاكرة الضارية تبرح
تعذيب الأشداء – داء مضطرم!
وفي ليل لا قرار له يعلمنا القلب
أن نتساءل: آه، أين الخليل الراحل؟
وحين يصدح كورس المديح
عبر أمواج البَخور مهللا ومتوعدا
تحدّق في روحي بصرامة وتعنت
ذات العنين اللتين لا فرار منهما.

1909
* * *
تضعف ذكرى الشمس في قلبي.
يزداد العشب اصفرارا.
تنفح الريح بندف الثلج المبكرة
بالكاد… بالكاد

في السواقي الضيقة لم يعد الماء يسيل
إنه يتجمد
لا شيء سيحدث هنا أبدا
آه، أبدا!

فرشت الصفصافة في السماء الخاوية
مروحة نافذه.
ربما، من الأفضل أني لم أصبح
زوجتك.

تضعف ذكرى الشمس في قلبي.
ما هذا؟ ظلام؟
ربما! .. يتسع الليل لحضور
الشتاء.

30 كانون الثاني 1911
كييف
اخر مواضيع duha في المنتدى

duha is offline   الرد مع إقتباس
قديم 23-01-2008, 02:53 PM   #26
عضو مسجل
 
الصورة الرمزية لـ duha
 
تاريخ التسجيّل: Jan 2007
المشاركات: 9,253
duha is on a distinguished road
مختارات من أشعارها

الليلة البيضاء‏
السماءُ بيضاءٌ بشكلٍ رهيب‏
والأرض –كالفحم، كالغرانيت‏
وتحت ذلك القمر الناحل‏
ما من شيءٍ يتألّق.‏
صوتٌ أنثويٌ أبحُّ ومهتاج‏
لم تكن صاحبتهُ تغنّي –بل تصرخُ وتصرخ.‏
فوقي شجرةُ حورٍ سوداء قريبة‏
ساكنة لا تهتزُّ لها ورقة.‏
أ لأجلِ ذلكَ قبلتُك؟‏
أ لأجل ذلك تعذّبتُ بحبّك؟‏
كي أتذكرّك الآن هادئةً وتعبى‏
وبشيء من الاشمئزاز؟‍!‏




لا أعلم أحيٌ أنتَ، أم ميت؟‏
وهل بإمكاني أن أبحثَ عنكَ في الأرض‏
أم فقط في رؤى المساء‏
حين نتذكّرُ بحزن شفيفٍ أولئك الذاهبين‏
كل شيءٍ لك: الصلاة النهارية‏
حمى السهاد اللذيذة‏
أشعاري "السرب الأبيض‏
والحريق الأزرقُ في عينيَّ‏
ما أحببتُ أحداً من قبل هكذا‏
وما عذّبني أحدٌ هكذا‏
حتى ذلك الذي باعني للألم‏
حتى ذلك الذي لاطفني ونسيني‏



وحدة‏
كم من حجارةٍ قذفتُ بها‏
حتى أصبحتُ لا أخشى منها شيئاً‏
وأصبَحَ الشَرَكُ بُرجاً أهيف‏
سامِقاً بينَ أبراجٍ سامقة.‏
إنني أشكر من بنوهُ لي،‏
وأتمنى أن تتلاشى أحزانهم وهمومهم؛‏
فمن هُنا أرى الفجرَ قبلَ غيري‏
ومن هُنا يعبرُ فَرِحاً آخرُ خيطٍ من أشعة الشمس،‏
ومراراً تهبُّ نسائِمُ البحار الشماليّة،‏
على شبّاك غرفتي،‏
والحمامُ يلتقطُ حبّات القمح من يدي‏
أما الورقة التي لم أكتبها بعد‏
فستُسطِّرُها بإلهام‏
اليد السمراء الهادئة‏
والرقيقة لربّة القصيد



لم يَغْتَبني، ولم يمتدحني‏
كما يفعل الأصدقاء، والأعداء‏
فقط تركَ عندي روحَهُ‏
وقالَ: حافظي عليها.‏
والآن شيءٌ واحدٌ يُعذّبني:‏
لو حدثَ ومات‏
فسيجيءُ إليّ ملاك الربِ‏
طالباً تلكَ الروح.‏
كيفَ سأُخبئُها عندئذٍ‏
كيفَ أخفيها عن الرب؟‏
تلكَ التي تغنّي وتبكي‏
لا بُدّ لها أن تكونَ في جنّته.‏


اخر مواضيع duha في المنتدى

duha is offline   الرد مع إقتباس
قديم 26-01-2008, 11:18 AM   #27
عضو مسجل
 
الصورة الرمزية لـ duha
 
تاريخ التسجيّل: Jan 2007
المشاركات: 9,253
duha is on a distinguished road
فدريكو جارسيا لوركا

فدريكو جارسيا لوركا (و. 5 يونيو 1898 - 19 أغسطس 1936)فدريكو جارسيا لوركا (بالإسبانية: Federico García Lorca) (و. 5 يونيو 1898 - 19 أغسطس 1936) شاعر إسباني معاصر. بالإضافة إلى الشعر كان رساما وعازف بيانو ومؤلفا موسيقيا. كان أحد أفراد ما عرف باسم الجيل '27. اغتيل من قبل الثوار الوطنيين وهو في الثامنة والثلاثين من عمره في بدايات الحرب الأهلية الإسبانية. يعده البعض أحد أهم أدباء القرن العشرين.
من ويكيبيديا

عن لوركا صاحب اعظم مسرحيه عرس الدم التي قدمت في اعظم مسارح العالم
من كتاب:
قمم في الأدب العالمي
للدكتور بديع حقي


"لم تنظم بعدُ القصيدةُ التي تنغرز في القلب كما ينغرز
السيف".
"على الشاعر في عصرنا هذا، أن يفتح عروق دمه، من
أجل الآخرين".
"لست برجلٍ، ولا بشاعرٍ أو ورقة، بل نبضة مجروحة
تسبر الطرف الآخر من الأشياء".
فدريكو غارسيا لوركا



لقد رأوه يسعى،
انحتوا، يا رفاقي، للشاعر،
لحداً مقدوداً من حجر وحلم،
في الحمراء،
فوق نبعٍ، ينتحب فيه الماء،
ويلغوا دوماً:
ههنا اقترفت جريمة في غرناطة،
في غرناطته.

أنطونيو ماشادو

لوركا.
وتخفِق هذه الكلمة في سمعي، حرةً، هازجةً، مبريةً بالنور، ويخيلُ إليَّ، وأنا أترنّم بها، أن الدم القاني قد أحال حروفها إلى أوردة نابضة ينسرب فيها هادراً، متلظياً يحرق اللحم.

ويقفز طيف لوركا من متاهات خاطري، مسربلاً بسمفونية شعره الحزينة الشجية، وأرى إليه بين طيوفٍ شقيةٍ أخرى، مهوِّماً في ضاحية (فيزنار)، مرتعشاً شاحباً، عند منبلج الفجر، ويعدو لاهثاً، متعثراً متزايل الخُطا، وتثقب وشاحَ الصمت طلقاتٌ متتابعةٌ نابحةٌ من الرصاص خلفه، ويظل صداها هنيهةً معلقاً بالفضاء مشدوداً إليه، وتتساقط طيوف الضحايا، ويترنح من بينها طيف لوركا وتتشبث راحتاه لحظاتٍ، بدفَّةٍ موهومةٍ عائمةٍ في بحر السماء، ثم تنبسط قبضتاه المتشنجتان، وتنسلُّ منهما الحياة، خفقةً خفقةً. وينفِض جفناه المختلجان المكدودان المؤرَّقان مرابعَ مدينة غرناطة، غرناطة التي أحبها وتغنى بها، غرناطة التي تلد فوق رباها شلالاتٌ من الألوان المغنية. هناك يشهر من يسعى في كلّ مُضطرب منها أنه يمشي فوق بركان، هناك تجثُمُ في أيّ درب، أيِّ ركن من بيت، أشلاءُ أصداءٍ عربية.
وتهاوى الطيف الجريح ، فوق بِرْكةٍ حمراء من رحيق القلب، تُراه كان يريد أن يخلُدَ إلى الغفوة الكبرى؟ تُراه كان يغمغمُ كلماتٍ من قصيدته (الموت الغامض)؟:

أريد أن أنامَ لحظة.
لحظةً واحدةً، دقيقةً، دهراً.
ولكن ليعلم الجميع، أن فوق شفتي،
- وإن لم أمت – مَنجماً للذهب،
وإنني الظلُّ الكبير لدموعي.

ويغتمض الجفنان المنتضِحان بالعرق والدمع والدم، وتمّحي منهما غرناطة.
ولكن صدى سمفونيته الشعرية الحزينة، ما يزال يناسم سمعي، وينقلني على غوارب الخيال، إلى عالم مترع بالألق واللون والنغم.

***

في ضاحية من ضواحي غرناطة في (فونتي فاكويروس) في الخامس من حزيران عام 1898، ولد (فدريكو غارسيا لوركا).
ويرفرف خاطري، كفراشةٍ غريرةٍ، حائمةٍ فوق الدارة التي ولد فيها، واستلت صيحته الباكية الأولى إنها دارة أندلسية ريفية هادئة، ترتشف جدرانها البيض المليسة المشيدة بالجِصّ الأشعةَ الدافئةَ، ويمزُجُ سقفُها المسطحُ القرميدي حمرته القانية بلُعاب الشمس، وتتسلق عَذَباتُ أغصان الياسمين النوافذَ والشرفات، وتهرقُ في الحنايا الرطيبة أغنيةَ الأريج الأبيض.
هذا هو أبوه (الدون فدريكو رودريغيز) بطلعته المهيبة الواشية بالطيبة وبالاستقامة. إنه – كما يقول عنه ابنه (فدريكو) – رجلُ الحقولِ النقي، وكان مزارعاً يتحدّر من أسرة ريفية كريمة النّجار غنية.
وهذه هي أمه (الدونا فيسنتا لوركا) الزوجة الوفية والأم الرؤوم، تُطلُّ بوجهها العذب الوديع الملائكي، وكانت من اسرة أندلسية عريقة، ولئن كانت أقلّ ثراء ويسراً من زوجها، لقد عرفت كيف تستصفي وِدّ القلوب إليها، وتكسبُ التقدير والاحترام لشخصها، وكانت قبل أن يبني بها (الدون فدريكو) معلمة رزاناً مثقفة كلفةً بالشعر والموسيقا.
في ظل هذين الإنسانين الدمثين، نشأ فدريكو وأخوته فرانسيسكو وكونشا وايزابيل الذين تعاقبوا بعده.
وقد انتهى إلى فدريكو من طبائع أمه، ذكاؤها وشعورها المرهف الرقيق وشغفها بالشعر والغناء، وورث عن أبيه سخاءَه ونزقَه وطيبته ووفاءه ودأبَه، وائتلفت هذه السجايا في نفسه، لتجعل منه إنساناً ذا شخصية آسرةٍ مشحونةٍ – كما يقول عنه (رفائيل البيرتو) – بجاذبية ساحرة شبه كهربائية.
وكان على هذه المزايا أن تلتقي – كحُزمة أشعةٍ منثالة - في بؤرة قلبه، ليتأجج ، محترقاً وهاجاً، وينفِضَ نورَه على وجهه. وكان وجهه – كما تقول الموسيقية (مارسيل شفايتزر)- يتألق بألف شعاع داخلي.
وكان على لوركا أن يشرئبّ في عصره ذاك، لأن الضرورة كانت تفرض وجوده، فقد كان مصيره الدموي، معلقاً بمأساة وطنه، مندغماً بها، في فترة عصيبة من تاريخ اسبانيا المعاصر.

ويغازل فكري سؤال شهي: تُراه خَلَصَ إليه من أبيه أو من أمه أو من كليهما قطرات من دم عربي كان يجري في أعراق أجداده؟.
يقول الناقد بارو: لدى لوركا كلُّ مزايا عرقه ومآخذه، وليس من المستحيل أن تسريَ في أوردته قطراتٌ من ذاك الدم العربي الذي صنع عظمة غرناطة.
وأرجّحُ أن الدم العربي رفد قلب الشاعر النبيل، ولعلك تلمح، إن أنعمت النظرَ في قسماتِ وجهه ملامحَ تشي بأصله العربي.
على أن روحه ظلت ، على أي حال، عربيةً، يورد الناقد (دومينيكيز) حين التقى به: "إن لهجته الجنوبيةَ القويةَ العذبةَ معاً،ـ تخلُبُك بسحرها، إن لوركا يؤمن بالعرب، بل إنه أقرب إلى أن يكون عربياً من أن يكون أندلسياً".
وحين سأله الرسام باغاريا: "أتعتقد يا فدريكو أنها لحظةٌ سعيدةٌ تلك التي سلّم فيها الملوك العرب مفاتيح غرناطة إلى المنتصرين؟.
أجاب لوركا: "لا، لقد كانت كارثةً لنا، على الرغم من كل ما يرددونه في المدارس. إن مدينةً رائعةً وشعراً وفلكاً وهندسةً ورهافةَ ذوق، لا مثيل لها في الدنيا، قد امّحت وتوارت، وانزاحت عن مدينة فقيرة ضئيلة: مدينة غرناطة التي تعجّ بأحقر بورجوازية في اسبانيا كلها".


***

أرأيتم إليه في طفولته السعيدة، يثب كنحلة مرحة دؤوب من حقل إلى حقل، ليدَّخِرَ في ذاكرته صوراً معسولةً شهيةً ويذيبها في شعره ومسرحياته.
" كانت طفولتي ريفيةً: رعاةٌ، حقولٌ، سماءٌ، عزلةٌ، بساطةٌ، وإنني لأعجب حين يظن أن في أدبي افتعالاً وجرأةً، لا، إن كل ما وصفت كان حقيقياً.
وقد هيَّأت له أمه جواً شاعرياً، وكان أبوه على دأبه واشرافه المتصل على أراضيه يروِّح عن نفسه بعد انتهاء العمل، بالغناء والطرب، فتنعقد السهرة في دارته ، يعربد فيها الغيتار وتهزج أنغام الفلامنكو.
ونهلت أذنا الطفل الواعيتان الأغاني الأندلسية الطلية. كان في ميسوره في السنة الأولى من عمره أن يتابع اللحن، وفي السنة الثانية أن يلهج بالغناء، وفي الثامنة، أن يحفظ أكثر من مائة أغنية.
بيد أن جسمه كان نحيلاً عليلاً، ونأى سُقْمُه عن مشاركة لداته واخوته في لعبهم الصاخب، وفزع إلى الحديقة، يتحدث إلى الذَّر ويخاطب الطير، ويراعي الشجرَ ويرى إلى الأغصان تنسج الريح وإلى الورد يلون النسيم بالشذا.
وكان يطيب له أن يصطحب أمّه إلى الكنيسة، وقد تأثرت نفسه المتوفّزة الحساسة بالجو الديني العميق فإذا هو يعمد إلى ارتداء ثوبٍ سابغٍ كمسح الراهب ويلوذ مع إخوته بجدار الحديقة ويصنع تمثالاً للعذراء ويرتّل القداس، شريطة أن تنشج بالبكاء فعلاً، رعيته الصغيرة: إخوته ولداته وخادمته الوفية (دولوريس).
وقدمت ذات يوم، إلى الضاحية ، فرقة غجرية مثلت مسرحيات تلعب فيها الدمى والعرائس، وفي المساء لم يرضَ الطفل أن يطعم شيئاً تعجلاً لمشاهدتها، وقد حضرها مفتوناً مأخوذ اللب، وفي اليوم التالي، عدل عن ترتيل القدّاس المألوف واستبدل به مسرحاً صغيراً للعرائس، وظل هذا المسرح مشغلته طوال حياته.
وقد علمته أمه مبادئ القراءة والكتابة، ثم تعهد تدريسه معلمٌ صديق للأسرة هو (أنطونيو اسبينوزا)، وكان له فضل في إغرائه بالمطالعة وإنماء مواهبه الفنية المبكرة.
***

وانتقلت الأسرة من الضاحية إلى دارة جميلة في أطراف غرناطة، ليتسنى لفدريكو وأخوته متابعةُ دراستهم في مدرسة ثانوية.
ها هو ذا أضحى فتى ربةً قسيماً منظراني الوجه، تمرح فوق خديه شامات، كأنها شراراتٌ سودٌ قدحتها عيناه السوداوان القلقتان المتألقتان، وتحبو فوق جبينه الناهض خُصْلةٌ ثائرةٌ نافرة من شعر رأسه الوحف.
ونال لوركا شهادته الثانوية والتحق بكلية الآداب والحقوق- ليرضي رغبة أبيه- ولكن الموسيقا كانت سلوته ومهوى قلبه في ميعة شبابه، وكانت أمه علمته مباجئ العزف على البيانو وأخذ عن عمته الضرب على الغيتار ثم تابع دراسته الموسيقية، بإشراف موسيقي نابه قدير هو الدون أنطونيو سيغور حتى أتقن ألحان شوبير وشومان ومندلسون وشوبان.
وفي التاسعة عشرة من عمره قام برحلتين مدرسيتين، ذرع فيهما أرض اسبانيا وطوف في معالمها ومغانيها وأطلالها، وكان لرحلتيه أثرٌ بليغٌ في نفسه واضحى يشعر – كما أفضى إلى صديقه رفائيل نادال – بكيانه كإسباني، وتجلّى لعينيه سحر بلاده الحقيقي، فقال: "ينبغي لنا أن نعترفَ بأن جمال اسبانيا ليس هادئاً متّزناً، بل هو جمال مُتّقِدٌ محرقٌ مندفع".
وتنقل لوركا من مدينة إلى مدينة، يجيل بصرَه الطُّلَعةَ في معالم الحضارة العربية، فيرى مدناً ملأى بالآثار، بمعالم الجياد المطهمة، بمسوح الرهبان، بظلال المشانق، بأرواح تنساب من الأجراس، ويمثل في وهمه أنه يسمع قعقعة السلاح وصيحات الملوك وأصوات رهبان محاكم التفتيش مُلفّعةً بدخان المحارق، بيد أن غرناطة تظل نغمةً نادرةً متميزة في سمفونية المدن الاسبانية، يفيء إليها قلمه الغضُّ، ليجلوها لنا أول كتاب يصدر له بعنوان (انطباعات ومناظر) ولا عجب فقد كانت غرناطة مهد طفولته ومتربع شبابه: "إذا نلتُ بمشيئة الله المجد، فإن الفضلَ يعود إلى غرناطة التي أنشأت كياني وجلعت مني شاعراً بالفطرة".
وأتمثّلُه يضرِبُ في طرقها الضيقة، وتلثِمُ نظراته الظامئة، بيوتها البيض، تزحف على جدرانها أنامل الياسمين ناسجةً ضافرةً أغنيتها البيضاء. وتنتصب في فِنائها أشجار السرو، متأوِّدةً مشيقة، متلعة الأعناق ثم تتطامن نظراته إلى حدائقها الغُلب، إلى جنة العريف وتنسرح إلى (تلة الدموع) التي ودعها العرب باكين ملكاً ضائعاً، ثم تحبو على قصر الحمراء، تغفو في حناياه ذكرياتٌ عربية، ويكتب "إن هذا القصر جذعُ الفن الجمالي في غرناطة، هذا الفن العربي المترفُ الذي ما يزال فؤاد كل فنان أندلسي يهفو إليه".
وفي غرناطة حي عربي قديم، لا يزال يحمل، حتى اليوم اسمَه العربي، إنه حي البائسين، لعله كان آخر معقل لأولئك العرب البائسين الذين دافعوا عن غرناطة ثم استسلموا وغادروا الفردوس المفقود.
ها هو ذا يسعى في منعطفات حي البائسين، متمهلاً، منسرقَ الخُطا، خشيةَ أن يوقظ الأرواح الحبيسة الغافية في زواياه، ويتراءى لعينيه مغلفاً بوشاح عذب من النور، ثم يفضي إلى شاطئ نهر (دارو) ويرى إليه متلوياً موسداً كالسيف مرجاً أخضر، ممتداً كالناي، يلهج الفضاء بنغماته، مخترقاً حي البائسين، صاخباً، قارعاً طبله الفضي المتدفق، مواكباً أنغاماً حزينةً ولهى.
***

وألفت موهبته الفنية في الشعر مجالاً رحيباً وسيعاً، ولعل الظروف قد ائتمرت مع الشعر على جذبه إلى جنته بعد أن كانت صفة الموسيقي في فجر صباه ألصق به وأدل عليه، فقد حاول أن يسافر إلى باريس لينهي فيها دراسته الموسيقية، فاعترضت أسرته وحالت دون تحقيق هذه الأمنية، فانصرف إلى الشعر. وأغرته صلته بالموسيقي العظيم (دوفايا) بإحياء التراث الغنائي الاسباني، فبعث أكثر من ثلثمائة أغنية أندلسية عفّاها النسيان فدوّنها ولوّنها بروحه ومنحها حياة جديدة.
على أن سمة الشاعر لم تتضح وتستمسكْ إلا بعد سفره، بنصيحة صديقه (لوس ريوس) إلى مدريد عام 1919 وإقامته إقامةً متصلة في بيت الطلبة، وكان هذا مركز الاشعاع الفكري والفني في اسبانيا، فههنا تعرف على ساليناس وسلفادور دالي وغيلين، وغيليرمو دو تورى وماشادوا، وغيرهم.
وخلصت إليه تيارات الفكر والفن السائدة في عصره ، فأخذ منها ما يلائم روحه ومزاجه.
ونشر لوركا بواكير شعره، أجل أن في هذا الشعر نكهةً أندلسيةً جديدة، لم يألفها الشعر الاسباني من قبل، إنه مترعٌ بصور أخاذة نابضة بنسغ خفي، بدم حار، وتترادف دواوينه كسمفونية دافئة يسودها الألق والإشراق، ويغريه المسرح، ليتخذ منه ملعباً تمرح فيه عبقريته المبكرة الخصبة، ويبسط فيه عالماً متميزاً خاصاً به، يقبِسُ ألوانه من الواقع الاسباني، ولكن خطوط المأساة فيه مكثفةٌ موشاةٌ بالصور الشعرية الخلابة.

وكذلك تألق نجم لوركا في سماء اسبانيا، وهو ما يزال في مقتبل العمر، وصفه بابلو نيرودا فقال: كان برقاً طبيعياً، طاقةً دائبة الحركة، كان فرحةً، ألقة حية، حناناً دافقاً خارقاً، كان شخصاً سحرياً يهب الهناء".
وتحلّقته نجوم فنية ساطعة، تلامحه وترفده وتأخذ عنه. كان هناك عملاق الموسيقا الاسبانية (مانويل دو فايا) الذي أعان لوركا على تلحين مقاطع من مسرحياته، وأوثق صلته بمعالم الغناء، وعملاقُ التصوير السريالي (سيلفادور دالي) الذي زوّق ديكور بعض مسرحياته، وأمدّه صديقه هذا بصور سريالية، بثّها في قصائده الأخيرة، وكانت هناك مرغريتا خيركو نجم المسرح الاسباني التي مثلت أروع مسرحياته، والمغنية العظيمة أرجانتينيتا التي تغنت بألحانه الأندلسية الشجية.
وأسلست ريشة لوركا لإغراء الرسم والتصوير، فخطّت رسوماً تبشّر بموهبة نابهة في عالم الألوان، وأقام معرضاً ناجحاً في برشلونة.
كانت عبقريته إذن فياضة مشاركة في الشعر والموسيقا والتصوير، بيد أن هذا النجم المتلألئ لم يعد يكتفي بآفاق اسبانيا، يوسّد فيها سناه، بل مضى إلى آفاق العالم الرحيبة، ففي عام 1929 لملم الشاعر حقائبه وسافر إلى نيويورك، لعله أن يجد في العالم الجديد، ما ينقع ظمأ روحه القلقة، وتسجل طالباً في جامعة كولومبيا.
وفي نيويورك مدينة الحمأ والحديد – كما كان يسميها – المدينة الغائمة بالدخان تشق سماءها ناطحات السحاب بقرونها الاسمنتية ، ويغتال صمتها زمجرة الفولاذ وهديره، المدينة التي تزن قيم الإنسان بميزان النقود، حيث تخرق وتلتهم- كما يقول في قصيدة له – قطع النقود، في أسراب هائجة، أطفالاً مضيعين. أجل في هذه المدينة، في نيويورك الحمأ، نيويورك الأسلاك الحديدية والموت، كان لوركا يهيم في شوارعها وأحيائها، حائراً قلقاً، مأخوذاً ، ولكنه اكتشف في حي واحد، في حي هارلم حي الزنج المحرومين المنبوذين، حرارةً إنسانية تشده إليهم وتغري قلمه الشاعر الملهم بتصوير آلامهم وتعلاتهم وضحكاتهم الصافية.
لا، لم يستطع الشاعر أن يسبغ إقامته في أمريكا، حيث تسود الجريمة وكلَب المال وسيطرة الآلة وطغيان العرق الأبيض، وألحّت عليه فكرة الموت وانغرست في أعماقه ، كمدية حادة، مرهفة، واستبقت معانيها الوحشية إلى شعره، ونظم لوركا في ظل يأسه ومرارته قصائده اللاهبة: شاعر في نيويورك.
وشخص لوركا إلى كوبا عام 1930 بدعوة من جمعية الصداقة الكوبية الاسبانية، فألقى محاضرات عديدة ومنتخبات من شعره، وغمر قلبه شعور بالهناءة وهو يستروح في جنبات هذا البلد فيءَ لغته الاسبانية الندية ويشعر بدفء العاطفة الانسانية المتدفقة المخلصة، وفي تموز من هذا العام قفل الشاعر راجعاً إلى بلاده، لقد آن للطائر الغريب أن يبسط جناحيه وأن يعود إلى عشه الدافئ الحبي
ها هو ذا من جديد في وطنه حركة دائبة متصلة، بنقّل خُطا الشعر، ليمرع القصيد أنّى حل، لقد سماه رفاقه بحق، عندليب الأندلس، وكان إما وقف على المنبر، يتلو قصائده، بصوته العذب ينقل سامعيه إلى جوّ نشوة مترعة بالحنان. كان إلقاؤه يمنح كلمات قصيدته زغباً راعشاً بالحياة.

واستبدّت بلوركا فكرة جريئة هي تيسير المسرح للشعب، لأنه أجدى وسيلة وأيسرها لتثقيفه والارتفاع بمستواه الفكري.
وألفّ فرقة الباراكا التمثيلية – كان نيرودا يسميها عاصفة الشعر السحرية – لتقدِّم إلى الشعب البسيط في المدن والريف أروع الآثار المسرحية الاسبانية والعالمية وتنقل في شرايين الوطن الاسباني كله نبضات قلبه الفتي، وكان لوركا جذع هذه الفرقة وروحها وشاعرها وملقنها ومخرجها، وقد انضاف إلى التقدير الشعبي الذي كان يتمتع به التقدير الرسمي، فقد شهد رئيس الجمهورية الاسبانية نفسه مسرحية (الحياة حلم) لكالدرون تمثلها فرقة الباراكا.
ولكن نهر عبقريته اللُّجي الهادر جعل يتدفق في مسارب أخرى، فها هو ذا في أمريكا اللاتينية، يتنقل في مدنها ويبذل لها بقصائده ومحاضراته ومسرحياته خفقات من قلبه الشاعر، وتنظر إليه شعوبُها، كما يقول بابلو نيرودا، على أنه أعظم شاعر أنجبته اسبانيا.
ولم يثمله هذا المجد الذي افترعته عبقريته، فقد كان يفرق من الشهرة ويكتب: "إن الرجل المشهور ينوء بمرارة حمله قلباً بارداً، طعيناً بأضواء المصابيح المعشية التي تسلطها الجماهير عليه".
وعاد لوركا إلى اسبانيا، ليستأنف نشاطه الفني في همةٍ عجيبة موصولة.
نحن في عام 1936 ، في الأفق السياسي، تتجمع سحب الأحداث، جهمةً كالحةً تتناذر بمصير اسبانيا لترنّقَ صفاءَ سمائها وتعصفَ بأمنها.
فلندع لوركا لاهثاً، مترنحاً في قمة مجده، ولنعدْ إلى صوره وألحانه وتهاويله، لنعد إلى الينابيع نرتشف منها قطرات، قبل أن يفترس الرصاص الغادر الضاري، سمفونية لوركا الشعرية الحنون.

***
أجل في قلب غرناطة، تفجرت هذه السمفونية، وتسلسلت في البدء في (كتاب الشعر) خفيضةً، ناعمةَ الجرس. صورُها براعمُ من الألوان غضةٌ ، تترقرق من أحلام الشباب ولذاته وقلقه وتنزلق فجةً، طريةَ الحروف، متسائلةً وأسئلتها تتمةٌ لأسئلة الطفل الملحاح الذي كان منذ أمد قريب، يتحدث إلى الذّر والطير، فها هو ذا يجلو مغامرات حلزون مخاطر ويسرد ثرثرة صرصار ثملٍ بالنور، ويصف حرذوناً هرماً وقوراً يدبّ بمسحه الأخضر وياقته المنشاة كجامعي عتيق، وها هو ذا يرامق السنابل الشبيهة بعصافير هرمة، بنحلاتٍ تمتص شعاع النور، ويصعّد بصره في شجرات السرو المماثلة لرؤوس ضخمة ترنو إلى الأفق من وقب عيونها الفارغة وتحت غدائرها المخضوضرة.
وترتفع ألحان السمفونية في ديوانه الثاني (الأغاني الأولى) وتتفتح براعم النور ريَّا مشرقةً، لقد بدأت تستعير شياتٍ وظلالاً رقيقة. والأنامل التي كانت تمزُجُ القصيد مترددة أضحت هنا لبقةً تعرف أي صبغ ينبغي أن تستقدمه وتحاوره وتداوره لتوسده في مكانه من اللوحة الشعرية. ففي أغنية (الفتيات السبع) التي يرمز بها إلى قوس قزح، تمتد ريشته الصناع إلى الألوان السبعة التي تنتظم في قوس قزح فتؤالف بينها وتسفحها لوناً ، لوناً، على نسيجة لوحته المبدعة.
وتنصهر ستائر السمفونية في ديوان (كانتو خوندو) عن منظرٍ رائعٍ، تتسلسل فيه أنهر الأندلس الثلاثة مصطخبةً عارمة، ويكمن الموت في ثنايا بعض الأبيات، متربصاً منتظراً لحظةً مواتية، ليغمِسَ المِديةَ المتوامضةَ في اللحم الطري الغريض.
أجل لقد شرع بصره يتسلق سلماً من الألوان جديداً عنيفاً.
ويُهِلُّ (أغان عجرية) وتستحصد فيه تجربة الشاعر وتنصقل موهبته، وتجنح سمفونيته الشعرية إلى ألوانٍ أكثر جِدَّةً وعنفاً، وتنساق إلى عالم خِصب ملتهب، تتألق فيه الخناجر وتهدر الشهوة ويتلوّى الجسد مغتلماً، حُرّاً ، ريّان.
وتستهوي الشاعر حرية الغجر وحياتهم البوهيمية. يتجاذبها النغمُ والرقص والخناجر والخيام.
في هذا الديوان العابق بالعاطفة المستوفزة والإحساس المشبوب والألوان الصارخة، ترقى سمفونية لوركا الشعرية إلى ذرى المجد. إن أغانيه الغجرية هي – كما يقول أحد النقاد – تتمةٌ للأغاني العربية التي كانت تتجاوب في غرناطة، في العهد الذي جعل العرب من الأندلس أروع مملكة.
***
ولما استبدّت الغربةُ بالشاعر في نيويورك، أخذت سمفونيته الشعرية التي كانت ترشف من منابع النور الأندلسية – أخذت تغصّ بالحرقة والأسى، يغلّفها دخان المعامل، وتعلِكُها ضجة الآلة. وتتكسر ألوانها ملتاثة ممزّقة، يزحمُ بعضها بعضاً، وتسمو بها الصور السريالية الوحشية الغامضة إلى قمةٍ سامقةٍ، يلهث فيها الخيال.
ها هي ذي أشباخ الزّنج تطوف في حي هارلم ، ترشح بالعرق والدم، لا، لم تعد سمفونيته الشعرية تقِسُ من أغانيه الأندلسية المقطّرة بالحنين، إنها تواكب درادب الطبول وصرخات جاز الزنج، كأنها سيقت ، الآن، من قلب إفريقية.

أوه، هارلم، هارلم، هارلم،
ليس ثمة هلعٌ يعدِلُ حُمرَك المضطهدين،
أو يعدل اختلاجَ دمك في ظلمة الكسوف.
زنج، زنج، زنج، زنج.
ليس للدم أبواب في ليلكم المنقلب،
ولا حمرة، والدم يتنزىَّ غضباً تحت الجلد،
وتمور حياةٌ تحت شفرة الخنجر.

ومن بين هذه الألوان، تتناثر شظاياها، وترفضُ منها الجروحُ ناغرةً هادرةً، يُطلّ طيف الشاعر الأمريكي (والت وايتمان)، كديمةٍ رطيبة في صحراء.
ايه أيها الشيخ الجميل وايت وايتمان
ما ونيت من تأمل لحيتك الملأى بالفراشات،
وكتفيك الموقرتين بالقمر،
وصوتِك يرتفع عموداً من رماد.

وكان على الشاعر أن يرفو ألوانه الممزّقة في سمفونيته المرهقة الجريح بعد أن آب إلى وطنه الحبيب.
ها هو ذا ينقل نظراته في غرناطة، تزحف على جدران قصورها الممرّدة القصائد العربية كجدائل الياسمين منسّقةً، مشعشعةً، مخضلّة بالنور.
وتهفو ألوان سمفونيته، تناسم القصائد الغافية على مقرنصات قصر الحمراء وحناياه وسقوفه وعمدانه، وتستل الآهات الحبيسة التي خلّفتها القلوب العميدة العربية في غرناطة، ويقبس الشاعر منها (ديوان التماريت) مسمياً كل قصيدة منها باسم Cacida لتنمّ هذه اللفظة العربية عن روحها العربية القديمة، وتتناغم ألوان السمفونية هادئة حزينة:
لا أريد سوى يدٍ، يدٍ مجروحة ، إن أمكن،
لا أريد سوى يدٍ ، ولو لم أظفر بسرير في مدى ألف ليلة،
لا أريد سوى هذه اليدِ،
من أجل زيتِ كل يوم،
من أجل كفنِ احتضاري الأبيض ،
لا أريد سوى هذه اليد ،
لتسنُدَ جناحاً من منيتي.


وتمتدُّ أنملة من السمفونية تشير إلى الساعة الخامسة عند الأصيل، الساعة التي خرّ فيها صديق الشاعر، مصارع الثيران الشهير (أغناثيو سانشيت ميخياس) طعيناً بضربة من قرن الثور، وتنهدُّ مرثية لوركا الرائعة، مكسوّة بإهاب سمفونية فاجعة في أربع حركات.
الحركة الأولى (المصرع والموت): تدق فيها الساعة خمس دقات، حين يدخل قرن الثور الهائج في اللحم الفتي، ويتهاوى البطل قتيلاً.
الحركة الثانية (الدم المسفوح): إنها لعبة البطل الخطرة مع الموت، وتتحدث عن جرأته وجماله، ثم تتراخى الحركة إلى الحقيقة المرة: البطل يخلد إلى الموت.
الحركة الثالثة (الجسد الماثل): الصخر جبهة تئن عليها الأحلام، إنه يحمل الجسم المسجّى، وينداح صمتٌ عفنٌ، لقد انتهى كل شيء، المطر يهمي إلى فمه، والزفرة تنطلق مجنونةً من صدره الأجوف.
الحركة الرابعة (الروح الغائبة): وتجد فيها النسيان يستبد باغناثيو، ويعفي كل شيء.
وتغيب السمفونية حزينة في العدم، كأنه كانت تتمة طبيعية فاجعة لقدر الشاعر نفسه.
***

ولكن سمفونية لوركا الشعرية تأبى أن تهزَجَ وحدها، إنها تريد رئةً إنسانيةً تلهث فيها ، تريد حواراً دافئاً، يضيف إليها قدراً مبدعاً جديداً، تكون فيه قريبة دانية من الشعب، تعطيه وتأخذ منه.
وكذلك وافى مسرح لوركا من النبع نفسه الذي انبجس منه شعره، واتبع – كما يقول (بيلاميش) – تطوراً جمالياً هو توأم للشعر، يتأثر به ويؤثر فيه، إنهما ينسابان كجدولين حالمين، يتعانقان تارة ويفترقان تارة أخرى، في كليهما يلعب النور لعبته الساحرة مع الظل، في كليهما تعربد الخناجر ويتأوّد السرو ويحلم الياسمين. في القصيدة يُطلّ القمر طلته المألوفة، ليكسب ريقه الفضي، وفي المسرحية يُطل ليحول إلى إنسانٍ يلغو ويتحدّث ويسوق أقدار الأبطال.
بيد أن لوركا جعل من المسرحية أداة فعالة في انتقاد أوضاع مجتمعه الاسباني وتجسيد معاني الحرية والثورة على الطغيان.
أنغام مسرحياته إذن تساوق أنغام سمفونيته الشعرية وتتممها، وكما ضمّ ديوانه الأول صوراً ساذجة عن بعض الحيوانات فقد جاءت مسرحيته الأولى (سحر الفراشة) مصورة في حوار ساذج عاطفة صرصار مسكين يتعشّقُ فراشةً ساحرةً لعوباً.

وتتعالى مسرحية (ماريانا بينيدا) صيحة جريئة، في فترة حرجة بغت فيها القوى السياسية الرجعية في اسبانيا.
المسرحية هي قصة المرأة المناضلة (ماريانا بينيدا) التي قتلها الملكيون عام 1913، لأنها أعدت عَلَمَ الثورة وطرّزت فوقه، بخيوط ذهبية الكلمات الثلاث: عدالة ، حرية ، مساواة.
بيد أن قلبها كان ينسِجُ حبّاً عميقاً جارفاً للمناضل (الدون بيدرو ) الذي كان يبادلها الحب ويكافح لتحرير بلاده من الاستبداد. إنه يخاطبها:

ماريانا، ما الإنسان دون حرية.
دون هذا النور يتألق منسجماً ثابتاً.
قولي، أأستطيع أن أحبك إن لم أكن حراً؟

ولكن ماريانا مشغوفة بالحرية، ولعلها أن تحبها أكثر مما تحب بدرو.
إنه يحب الحرية.
وأنا أحبها أكثر مما أحبه.

وتساق ماريانا إلى الموت، لأنها طرزت علم الثورة، وأبت أن تحسر عن سر المؤامرة المدبرة لتحرير اسبانيا.
***

إن لوركا نفسه يريد أن يطرز علمه الخفي، بحروفه الشعرية المضرمة، ويغمس قلمه في واقع بلاده. لقد كانت تجيش في مطاوي قلبه – كما يقول عن نفسه – ألف مأساة، وكان الأندلس، بماضيه ، بأوضاعه، بعواطفه المحتدمة، منبعاً ثراً، ينهل منه ألف مسرحية ومسرحية.
وجاءت مسرحيته الأندلسية (عرس الدم) لوحةً معبرةً خضيبة بالدم، إنها قصة الفتاة التي تهرب ليلة عرسها مع حبيبها القديم، وهي تتوقع القدر الفاجع الذي ينتظر خطيبها وحبيبها، بيد أنها لا تملك أن تقاوم الذراع العاشقة التي تختطفها..
ولم ينسَ أن يصف حرقةَ الأم وأساها، في هذه الكلمات المجروحة:

حين وصلت إلى قرب ابني، وكان مطروحاً في وسط الشارع،
غمست يدي في دمه، ولعقتها بملء لساني،
لقد كان هذا الدم دمي أيضاً.


أما مسرحية (يرما) فهي قصة المرأة العاقرة في بلاده، إنها لوحةٌ ناطقة بهواجسها وأحلامها وأحقادها، وفي كلمات قليلة يصف لوركا شعور العاقر التي تتحرق شوقاً إلى طفل:
إن في دم أي امرأة أربعة أطفال أو خمسة وحين لا يُقدّر لها
ذلك فإنهم يتحولون في دمها إلى سم.

فإذا حملت المرأة، فإن شيئاً خفياً ينسم في أحشائها، إنه
يماثل الشعور الذي تشد فيه راحة اليد على عصفور حي.

وتترفق مسرحية (دونا روزيتا)، أو لغة الزهور، سمفونية هادئة، تهينم فيها نفحات من مسرح تشيخوف الحزين الهادئ، إنها قصة الفتاة العانس التي تنتظر، عبثاً، حبيبها المسافر البعيد الذي وعدها بالزواج ونسيها في غربته القصية، إنها مأساة كل فتاة وفية يغرر بها حبيب غادر.
وقد لاءم لوركا بين (دونا روزيتا) وبين حياة زهرة تنمو حمراء صباحاً، قانية ظهراً، بيضاء مساءً، وحين يضرب الليل بجرانه وتنساب النجوم وتمّحي النسائم، تتهاوى أفوافها في الظلام.
تحدث لوركا إلى الكاتب (بيدرو ماسا) بصدد مسرحيته هذه فقال: هذه هي حياة (دونا روزيتا) تنساب تافهةً ساكنةً، لا ثمر فيها، إلامَ تصبر عوانس اسبانيا، متألمات على هذا النحو؟ يقول (ماسا):
وأغمض لوركا عينيه، فيما كان يتحدث إليّ، في تعبير ينم عن الألم والحنان.
وتنضح مسرحية (حين تنقضي أعوام خمسة) بالصور السريالية العنيفة، لعلها أن تقابل بألوانها الممزقة ديوان الشاعر (شاعر في نيويورك)، إنها أسطورة الزمن العتي الذي يطحن البشر ويعصف بأهوائهم ويوكل إلى الموت أن يعطو يده الجاسية لتفتلذ الروح المكلومة المعذبة.
أما مسرحية (بيت بيرناردا ألبا)، فقد حذف لوركا الزخرف الشعري الذي ألِفَ أن يزوّق به مسرحياته السابقة، إنها نقد لأخلاق أم مستبدة غريبة الأطوار، جعلت من بيتها سجناً لبناتها الخمس، تصطخب ضمن جدرانه غيرتُهن وأحلامهن وعواطفهن المكبوتة، فكبراهن القبيحة، خطيبةٌ للفتى الجميل رومانو، وينفَسُ عليها أخواتها بهذا الحظ المواتي، ولكن صغراهن اديلا تستميله، بظرفها ووضاءتها، وتستأثر به وتحمل منه، وهنا تتفجر المأساة وتنتهي إلى انتحار اديلا.
وقد كتب لوركا مسرحيات أخرى، أغدق عليها صوره الشعرية الرفاقة، بيد أنها تظل دون مسرحياته التي ذكرنا قوةً وأسراً ، ويبقى مسرح لوركا على أي حال، ذا طابع ونكهة وأسلوب متميز، ليس له مثيل في الآداب العالمية، يقول الناقد بول غوث:
"ليس لوركا بأكبر شاعر مسرحي اسباني منذ (لوبي دو فيغا) فحسب، بل هو ذو مزاجٍ مسرحي فريد، في النصف الأول من هذا القرن".
***

وكذلك تفرشُ سمفونيته الشعرية ذوائبها على مسرحياته، لتعانق حوارها وتضمَ غمغماتها، وتبسط لها امتداداً رحيباً حيّاً.
ومن هذه الزاوية يمكن أن ننظر نظرة شاملة إلى شعر لوركا ومسرحه وتصويره وأدبه، تتعاون وتنسجم كالأنامل من راحة بارعة ملهمة، لتنسق معاً ألوان هذه السمفونية الأندلسية الرائعة.
ولعله يحسن، فيما نحن ننفض هذه الألوان الدائرة المتحركة – كقرص نيوتن إذ يدور ويتحرك متسقاً في لون واحد أبيض – لعله يحسن أن ننسلها ، لوناً لوناً، لننفذ إلى فن لوركا الشعري ونتملاه ونحياه.
لا، لم يكن لوركا شاعراً فحسب، بل كان كما يقول لويس بارو فناناً مجنوناً متيماً بالألوان، وتمتزج ألوانه وتأتلف ويذوب بعضها في بعض، على نحوٍ لا تستطيع أن تسلك شعره في مدرسة معينة من مدارس الشعر الحديثة، فهو، في قصيدة، واقعي واضح الاصباغ، بارز الخطوط، وهو في قصيدة ثانية سريالي ملفّحٌ بالغموض، وهو في قصيدة أخرى رمزي لمّاحٌ يقتنص من النور شعاعاً ومن العتمة ظلاً ثم يدعهما يقتربان أو يتناءيان، ويترجح المعنى بينهما، كطفل معابث، يومئ تارة في الألق الباهر، ويتململ تارة أخرى في الحلك الداجي.
ويتراءى لي شعره أحياناً، كتلك اللعبة التي يُشغف بها كل طفل، وتتسق في أسطوانة ورقية، ثبتت في قعرها مرآة، تتحرك أمامها شظايا صغيرة ملونة من الزجاج، فتعكسها على صقالها في أشكال هندسية منتظمة، فإذا دارت الأسطوانة أو مالت، بعض الشيء، تحركت قطع الزجاج، وأخذت أشكالاً هندسية طريفةً أخرى هي متعة للعين المتطلعة.
وكذلك كان لوركا شاعراً طفلاً يحرك كلماته في القصيد فتكتسب في حركتها ، ألواناً زاهية، انظر إلى هذه الصورة:
الفضاء المزدحم بأقواس قزح،
يكسِّر مراياه فوق الأغصان.

وهو لا يجتزئ بألوان الطبيعة، يتلاعب بها ويلهو، بل يدخل عالم الصوت ويستعير له أصباغاً وألواناً، تأمل كيف يجلو، بكلمات قليلة نقيقَ الضفادع:
الصمتُ الذي عضته الضفادع،
يتراءى كثوبٍ شفيف،
منقّطٍ بشامات خضرٍ

وحتى الزمن فإن لوركا يجسّده بهذه الصورة المعبرة:
حين تنتظر،
فإن الثواني تتمطّى إلى اللانهاية.

وفي الحق ، إن للحواس الخمس – كما يقول لوركا – أبواباً متصلة، وعلى الشاعر، إما تصدى لجلاء صورة ما، أن يفتح ما بين هذه الأبواب، لتنوب حاسة عن الأخرى، وهو بهذا يأخذ بمدرجة بودلير في قصيدة العلاقات.
وكذلك تتحرك صورة لوركا، متجاوبة، لمّاحة، وتتكئ أحياناً على استعارات ثابتة، ولكنه بلقانةِ الرسام الصناع، يلوّنها بظلٍ متحركٍ شفاف.
قبلتي كانت رمانةً،
عميقةً مشقوقةً،
وثغركِ كان وردةً ورقيةً.
وفي القاع حقلٌ من الثلج.

والشاعر، هنا، لا يشبّه الثغر بالرمانة المشقوقة، بل يصف حركة الثغر ، إذ ينشقّ كالرمانة، عن أشهى عطاء، عن القبلة.
إن أروع ما يتسم به فن لوركا الشعري هو اعتماده على تسجيل الحركة في كلمات قليلة مقتصدة ولكنها جياشة شَرِقَةٌ بالحياة، وهو إذ يصور الحركة في ذروتها المعبرة يدعُ للخيال أن يتلقف امتدادها وأن يتممها ويحياها بكل ما تزخر به من عنف.
ولقد بدا للناقد ارثورو دل هويو أن فن لوركا الشعري أشبه بفن مصارعة الثيران، حيث يسوق الشاعر صوره – كمصارع الثيران البارع يؤدي لفتاته وحركاته الرشيقة أمام الخطر الكامن.
وهو تشبيه صحيح يمتح من واقع الحياة الاسبانية العنيفة التي وسمت لوركا بميسمها. إن مصارع الثيران، إذ يدنو من القرنين المتوثّبين، ينتقي بشاله الأحمر الحركة الصافية المناسبة التي تجعله يكاد يلامس الموت، ولكنه يمّلِس منه في مهارة ودقة، وكذلك أتمثل لوركا يضرب في غابة المعاني المصطخبة في نفسه، منتقياً من ألفاظه المطروحة المنثورة أمامه اللفظة الصافية المناسبة، ليكسو بها في دقة، المعنى الجاثم المتربص، اصغ إليه يقول في قصيدته المدية:
المدية تنغرس في القلب،
كما تنغرس سِكةُ المحراث،
لا، لا، لا تسمِّرْها في لحمي، لا ،
المدية، كحُزمةٍ من أشعة الشمس،
تحرق الأغوارَ الرهيبة،
لا، لا، لا تسمّرها في لحمي ، لا.

أرأيت إلى هذه الصور الوحشية التي اقتنصها في ذروة توترها، ورفدها بصيحة مدوية يائسة؟.
واصغِ إليه يوشي حتى الشيء البسيط بحركة خفية يجثم فيها تحفّز وترقّب وعنف:

رأيت وأنا أنحني،
ورأسي على النافذة،
كأن ساطور الريح،
يريد أن يجتزّه.
على هذه المقصلة الخفية،
وضعتُ الرؤوس العديمة النظرات للذاتي القديمة.

وانظر إليه يلخّص أسطورة آدم وحواء في الجنة، في بضع كلمات شعرية:
آدم وحواء،
والثعبان حطّم المرآة،
وأحالها إلى ألف شظية،
كانت التفاحة هي الحجر.

ولعل ولع لوركا بالنور والظل، يلهو بهما ويداعبهما ويحدرهما إلى عروق قصائده، قد تناهى به إلى شغفٍ متصلٍ بالقمر، ويبدو لي أن ليس بين شعراء العالم من قبس واستوحى من القمر صوراً رائعة مثلما قبس واستوحى وانتزع لوركا.
والقمر في شعره، مقرون، على الجملة بمأساة وجمال غريب، اصغِ إليه يقول:
جناحٌ من الفضة يُحتضرُ،
إن القمر وهو يتناقص،
يضع على ذروة الأبراج الصفر،
لُبدةً طويلةً وحشيةً.

وانظر إلى هذه الصورة الموحية التي يمازجها الوهم:
أرى قطرات من الندى على أجنحة العندليب،
وقطراتٍ صافية من القمر جمّدها الوهم.

إنه يسعى قمراً متئد الخُطا في ملعب السماء، كسلحفاةٍ بيضاء، كعجوزٍ حزينٍ ذي أسنان عاجية، كيراعة مضيئة في الظلام:
أيُّ طفلٍ أشعل مصباحه،
إن فراشةً واحدةً كافيةٌ لإطفائه،
تُرى أتكون اليراعةُ المضيئةُ قمراً؟.

وقد بلغ من ولعه بالقمر أنه جعله في مسرحية (عرس الدم) يرتدي إهابَ إنسان، يتحدّث ويهزجُ بأشعته المخملية ويمهّد لمأساة قادمة:
ويترك القمر مِديةً،
في فضاء الليل الذي يوشّحه
وتتربّص المديةُ، من علُ،
لتضحي الألمَ الذي ينطِفُ بالدم،
افتحوا صدوراً إنسانية،
لألجَ فيها وأنعمَ ثمة بالدفء.


ونلملم ألوان سمفونية لوركا المنثورة في منسرح أبصارنا، لنعود إليه في موعد قاتم عام 1936، وكانت سحب الحوادث تتجمع، آنذاك، مدلهمة، جهمة، تتناذر بمصير اسبانيا لترنق سماءها وتعصف بأمنها.
لقد تركنا لوركا مترنحاً منتشياً في ذروة مجده، وكان يُعِدُّ عيابَه، ليسافر مع فرقة (مارغريت خيركو) إلى المكسيك في مطلع العام، ولكنه يؤجل، وا أسفاه، سفره.
لقد أسفرت الانتخابات في شباط 1936 عن فوز القوة الاشتراكية الاسبانية، وألفى لوركا نفسه في بهرتها ينافح عنها، كانت جِبِلَّتُه البريئة الساذجة الطفلة، تنأى به عن لدد السياسة وجدلها وتياراتها، كانت الكلمة الشاعرة الحرة وحدها، تستقل بقلبه وتستأثر باهتمامه، وقد تلونت هذه الكلمة بأماني وطنه وسحر طبيعته، وتأتّى له أن يعبّر عنها في شعره ومسرحه ومحاضراته، أصدق تعبير، وكذلك جاء انحيازه للاشتراكية التقدمية طبيعياً صادقاً عفوياً.
وقد بلغ به كرهه لقوى الشر الغاشمة التي كانت تلغ في الدم وتنشر السخيمة والإرهاب، أنه هجا في بعض قصائده، الكتائب اليمينية التي كانت تقتل الأبرياء وتشعل الحرائق وتخلف الخراب والدمار.
وفي عام 1934 – وكان الحكم اليميني في أوج قوته – صرّح لوركا : إنني ما أزل إلى جانب الفقراء، إلى جانب الذين لا يملكون سوى الشيء اليسير، والذين حرموا الأمن في التمتع بهذا الشيء اليسير.
وفي حزيران عام 1936 أفضى للرسام باغاريا: على الفنان، في هذه الأوقات الفاجعة التي يعيشها العالم، أن يبكي ويضحك مع شعبه.
لم يكن هناك شكٌ، لقد التزم لوركا موقفاً صريحاً مؤيداً لقضايا شعبه. وفي تموز انطلقت الشرارة الأولى، نذيرة بانفجار بركان الحرب الأهلية، فقد اغتيل في مدريد كالفو سوتيلو زعيم الحزب الملكي اليميني، واهتبلت الأحزاب اليمينة الأخرى هذه الفرصة للتحد وتبث الغيلة والرعب والإرهاب ، رجاة إسقاط الحكومة الاشتراكية وإلغاء الجمهورية.
لم تكن مدريد المكفهرة المضطربة تتيح أمناً سائغاً للوركا الذي كان قد غمز – كما قدمنا – ببعض قصائده من الكتائب والذي عرف بصداقته الوثيقة للزعيم الاشتراكي (لوس ريوس).
واتخذ لوركا أدراجه نحو غرناطة الآمنة المستقرة، ففيها أسرته الكبيرة، وفيها أصدقاء له من الطرفين المتنازعين، اليمنيين واليساريين، يحمونه عند الاقتضاء، هناك صهره الاشتراكي مانويل مونتسينوس زوج أخته كونشيتا وكان ينهض بوظيفة محافظ غرناطة، وهناك صديقه اليميني الشاعر لويس روزاليس وكان إخوته من غلاة الكتائب.
ووصل لوركا إلى دارة أبيه في أطراف غرناطة في السابع عشر من تموز، ههنا أمه وأبوه وإخوته، تغمرهم الفرحة برؤية عندليب الأندلس يعود إلى عشه الهنيء، وههنا البيانو تنسج أنامله الرشيقة فوق كعابه ألحانه وأغانيه.
وكذلك اندلعت نار الحرب الأهلية، وأضحت غرناطة مسرحاً ريّانَ بالدم، وطلب مونتسينوس الاشتراكي وصهر لوركا، إلى حاكم غرناطة الجمهوري تفريق السلاح على الشعب فأبى خوفاً من الفتنة، غير أن قائد المنطقة العسكري الجنرال كامينز انضم إلى حركة التمرد، وأضحى معظم المدينة تحت سيطرته، فيما أصبح الجنرال فالديس حاكماً لغرناطة، واعتصم المناضلون بحي البائسين آخر معقل للمدينة.
وتألفت من بين الكتائب، فرقة بقيادة رامون رويز الونسو سمّيت بالفرقة السوداء، كانت وصمة عارٍ في تاريخ الحرب الأهلية الاسبانية، وكانت مهمتها إشاعة الرعب والفزع ووظيفتها إراقة الدم.
وكانت، إما وقفت أمام دار ما، تفتح بابها بأعقاب البنادق، وتجر أي رجل تراه من بين ذراعي أمه أو زوجته وتقتاده قسراً، وكثيراً ما كان يحلو لها أن تصرعه أمام داره وتمثل به بمرأى من أهله، والمحظوظ هو من تسوقه إلى حاكم غرناطة الجنرال فالديس ليصدر عليه حكم الإعدام دون محاكمة أو تحقيق ثم يقاد مع ضحايا آخرين، إلى ضاحية فيزنار، وهناك يقف في رتل طويل ينتظر دوره إلى الموت.
ولك أن تتمثل القلق الذي كان يعصر قلب الشاعر الطفل، وهو قابع في دارة أبيه، يرى إلى الأحداث تترادف مسرعة مرعبة، في مدينته الحبيبة غرناطة، لقد فزع إليها لينشد أمناً سائغاً، فإذا هي تضحي أكثر اضطراباً وخطراً من مدريد.
وقدم إلى الدارة، ذات يوم، رجلان مسلحان، وطلبا إليه ألا يغادر البيت، وأعقبت هذه الزيارة، رسالة من مجهول فيها تهديد ووعيد، ولكن أين المفر؟ إن صهره الاشتراكي محاصر في حي البائسين، أيذهب إلى دارة صديقه الموسيقي العظيم دوفايا الذي كان بمنأى عن السياسة، وكان يتمتع باحترام الطرفين المتنازعين وأبى لوركا حماية صديقه له لئلا يجلب إليه ضرراً بوجوده، واقترحت أخته كونشا أن يلتجئ إلى بيت صديقه الشاعر لويس روزاليس فهو وإخوته من الكتائب المرموقين، وفي ميسورهم حمايته بما لديهم من نفوذ.
وخفّ الكتائبي الشاعر لويس روزاليس لحماية صديقه الشاعر، حين طلب إليه عونه، إنه لا يحمي لوركا الموالي للجمهورية، لوركا الذي نال بشعره من الكتائب، ولكنه يحمي أعظم شاعر اسباني، تُزهى به اسبانيا في عصورها كلها.
ومضى الشاعر، حين غلب الليل، ملتجئاً إلى بيت لويس روزاليس وبدا للوركا أنه في أمان، فها هو ذا كالطفل البريء الغافل، يشيع في دار صديقه مرحه وسحره ويعكف على تنقيح ديوان جديد (حديقة الألحان)، دون أن يعلم أن صهره مونتسينوس قد قتل في حي البائسين، وأن غرناطة كلها قد عنت واستسلمت.

***

ولكن غراباً أسود كريهاً كان يتربص لعندليب الأندلس ه رامون رويز الونسو رئيس الفرقة السوداء، وكان هذا الغراب معروفاً بجهله وقسوته وحسده لكل مثقف مرقوق، ومثَُ في وهمه أن ثمة عملاً خليقاً بأن يذيع فيه اسمه ويطير صيته، ويرتوي به حقده هو أن يصرع لوركا الشاعر الجمهوري العظيم، وخف مع فرقته إلى دارة لوركا، وبحث عنه دون جدوى، ثم عاود الكرة ، والح على كونشا في غلظة ووعيد مخيف، فقالت له وجلة: إنها لا تدري لعله ذهب يقرأ شعراً لدى صديق.
وفكر رامون: من يكون في غرناطة شاعر يحمي لوركا غير لويس روزاليس؟ ولكن هذا كتائبي، هل يعقل أن يحمي كتائبي شاعراً غمز من الكتائب؟ بيد أنه شاعر، فلعله يحميه لأنه يهتم مثله بهذه الصناعة السخيفة: نظم الشعر. فليجرب أن يبحث عنه في دار روزاليس، وشخص إليها لطِيّته مع فرقته السوداء. لم يكن هناك، سوى أم لويس والخادمة وفدريكو، وسك سمع لوركا، جلبة وخفق أقدام فصعد إلى السطح، يريد أن يقفز إلى سطح الدار المجاورة، وا أسفاه إن عدة أمتار تحجز بينهما، لا مفر إذن من الاستسلام.
وكذلك وقع عندليب الأندلس بين براثن الغراب الأسود رامون الونسو ليسوقه مزهواً فخوراً إلى قفص الحاكم الجنرال فالديس.

***

إن اسم فالديس في هذه الفترة القاتمة من الحرب الأهلية الاسبانية، مقرونٌ بلقب الطاغية الدموي، فقد أودى هذا الشفاح بأكثر من 15 ألف شخص حكم عليهم بالإعدام في غرناطة وحدها، وكان فالديس، إلى عتوه وقسوته، فاجراً فاسقاً، وقد مات عام 1938 يتأكل جسمه مرض الزهري.
إلى هذا الطاغية ، سيق الشاعر الطفل لوركا ليصدر فيه حكمه.
وسرى خبر اعتقال الشاعر كالبرق، وخف لويس روزاليس إلى الحاكم، راجياً متوسلاً، للإفراج عن صديقه الشاعر العظيم، قيل إنه طمأنه بمراوغة الذئب المخاتل الغادر، وقيل إنه لم يسمح بمقابلته.
ولم يعرف ماذا دار بين الحاكم الذئب وبين ضحيته الشاعر لوركا، على أن المصير المخيف كان متوقعاً، فلم يكن من مألوف هذا الجزار أن يصدر حكماً بالبراءة، فقد كانت أحكام الإعدام لصيقة بشفتيه.
وهبّ الموسيقي العبقري دوفايا من عزلته حين تأدّى إليه خبر اعتقال لوركا، يا ويلهم إنهم لا يعرفون أنهم سيفتكون بأكبر شاعر اسباني، ومضى دوفايا كالمجنون، هنا وهناك، مجازفاً بحياته، لإنقاذ صديقه الشاعر، ولكن محاولاته لم تجد شيئاً، فقد مضت سيارة الموت بفدريكو غارسيا لوركا في التاسع عشر من آب عام 1936 إلى ضاحية فيزنار المشؤومة.

***

وأتسمّتُ، في وهمي، صوتاً مرتجفاً تخنقه العبرات صوت الشاعر ماشادو يرثي صديقه لوركا:
لقد رأوه، يمضي بين البنادق من طريقٍ طويلةٍ،
ويلوح في الريف الرطب ، في ريف الصباح،
نجومه ما تزال متلامحة،
في ساعة منبثق النور،
لم تكن مفرزة الجلادين تجرؤ أن تسدد إليه النظر ،
لقد أغمضوا عيونهم جميعاً،
وغمغموا: إن الله نفسه لن ينقذك،
ومات فدريكو، دمٌ في جبهته، ورصاصٌ في أحشائه،
أتعلمون؟ مات في غرناطته، يا لِغَرناطة المسكينة.
أجل يا ماشادو، يا صديق لوركا الحبيب، لقد مضوا بفدريكو، في غَلَس الفجر، مع رتل طويل من الضحايا، من طريقهم إلى فيزنار. وهناك غير بعيد تبدو (عين الدموع)، إنها لا تزال تحمل اسمها العربي القديم الباكي، ترى أكتب عليها أن تبكي دوماً؟ وهناك، هناك، فونتي فاكويروس، حيث ولد لوركا وترعرع وركض طفلاً لاهياً سعيداً، مع إخوته ولداته، وصافح عينيه سهل غرناطة ينفتح وينغلق كمروحة خضراء، أجل ههنا مرابع طفولته وصباه. لا بد أنه فكر في أبيه الحبيب يُطِلُّ بقامته المهيبة الواشية بالطيبة، في أمه الحنون تبتسم له وتحنو عليه. تُرى أين أخوه الخجول فرانسيسكو، أين أخته الغريرة ايزابيل، أين أخته كونشا بضحكتها الفضية تترنم، مزهوة فرحة بقصيدته ( أغنية إلى القمر) التي أهداها إليها:

في النسيم المرتعش، يحرك القمر أذرعته
ويحسر، صافياً شبقاً، عن نهده الأبيض المعدني القاسي
امض يا قمر، ياقمر، ياقمر،
أين قمره؟ قمر لوركا الفاجع المجبول بدم الياسمين ، يطلّ عليه، كما أطلّ في مسرحية (عرس الدم) ليشهد مأساته ، مأساة اسبانيا الحزينة التي مزقتها الحرب العتية الضروس.

أجل لقد كان يؤدي أمام سلفادور منذ سنين بعيدة في معابثة الطفل حركات الاحتضار، فيقلد الوضع الذي سيصير إليه جسمه بعد الموت، وتتألق معارف وجهه بجمال غريب. ويطفر ضاحكاً وهو يرى إلى التأثير السحري الذي خلّفه في صديقه تقليده البارع.. أما اليوم، فسيكون أداؤه لدور الموت حقيقياً أصيلاً، ويهوّم طيفه عند منبلج الفجر بين الطيوف الشقية المصفّدة الأخرى مرتعشاً شاحباً ، موثق اليدين، وتسوط أعقاب البنادق ظهره، فيعدو متعثراً لاهثاً، وتثقب وشاح الصمت، طلقات متتابعة نابحة من الرصاص خلفه، ويظل صداها هنيهة معلقاً بالفضاء، مشدوداً إليه، وتتساقط طيوف الضحايا، ويترنّح من بينها طيف لوركا، وتتشبّث راحتاه لحظاتٍ بدَفّةٍ عائمةٍ في بحر السماء، ثم تنبسط قبضتاه المتشنجتان، وتنسلّ منهما الحياة خفقةً، خفقةً، وينفِضُ جفناه المختلجان المؤرقان مرابع غرناطة، غرناطة التي أحبها وتغنى بها وشقي فيها.
حين أموت، ادفنوني ، مع معزفي تحت الرمال...
ويتهاوى الطيف الجريح فوق بركة حمراء من رحيق القلب، ويشرب أديم غرناطة نجيع أعظم شاعر عرفته اسبانيا، ويغتمض الجفنان المنتضحان بالعرق والدمع، وتمّحي منهما غرناطة.

***

شرفة الدارة الحزينة الخالية صامتةٌ مفتوحة، لقد مات فدريكو غارسيا لوركا، وتهينم على أغصان الياسمين المعرشة على الجدران، أصداء قصيدته الحزينة:

دعوا الشرفة مفتوحةً،
حين أموت،
الطفل يلتهم برتقالاته،
من شرفتي أراه.
الحصاد يحصدُ قمحه،
من شرفتي أشعر به،
حين أموت،
دعوا شرفتي مفتوحة.

وتبقى الشرفة مفتوحة، ويتردد لهاث القصيدة الحزينة، مع زفرات الياسمين، ثم ينأى ويغيب ، وتُطل سمفونية لوركا الفاجعة الجريح، هنيهةً ، ثم تمّحي وتنطفئ.
لقد مات عندليب الأندلس: فدريكو غارسيا لوركا.

اخر مواضيع duha في المنتدى

duha is offline   الرد مع إقتباس
قديم 26-01-2008, 11:18 AM   #28
عضو مسجل
 
الصورة الرمزية لـ duha
 
تاريخ التسجيّل: Jan 2007
المشاركات: 9,253
duha is on a distinguished road


فيديريكو غارسيا لوركا


القيثارة

يبدأ بكاء
القيثارة.
تتكسر أقداح
الفجر.
يبدأ بكاء
القيثارة
غير مجد
أن نسكتها.
تبكي رتيبة،
كما تبكي المياه،
كما تبكي الريح،
فوق الثلج المتساقط ،
من المستحيل
أن نسكتها.
تبكي أشياء
بعيدة.
رمل الجنوب الساخن ،
متعطش لكاميليا بيضاء .
تبكي سهماً بلا هدف،
عشية بلا غد
والعصفور الأول الميت
فوق الغصن.
أوه! يا قيثارة!
يا قلباً جريحاً حتى الموت،
بخمس سيوف.
1ـ ثلاث مدن مالقية
يدخل الموت
ويخرج،
من الخمارة.
تمر أحصنة سوداء،
وناس مشؤومون،
عبر الدروب الغامضة
للقيثارة.
وهناك رائحة ملح،
ودم لأنثى!
في السنابل المحمومة،
لشاطئ هذا البحر.
الموت
يدخل ويخرج،
ويخرج ويدخل
موت
الخمارة.
2ـ حي من قرطبة
قولي ليلي
يحتمون في البيت،
من النجوم.
ينهار الليل.
في الداخل، هناك طفلة ميتة،
و وردة حمراء، مخبأة في شعرها.
يبكيها ست بلابل،
في الشباك الحديدي.
يتنهد الناس،
وقيثاراتهم ناحبة.
3ـ رقصة
ترقص كارمن ،
في شوارع إشبيلية.
شعرها أبيض،
وبؤبؤ عينيها براق.
يا طفلات،
أسدلن الستائر!
تلتف حول رأسها
أفعى صفراء،
وتمضي حالمة بالرقص،
مع عشاق لأيام مضت.
يا طفلات ،
أسدلن الستائر!
الشوارع مقفرة،
وفي أعماقها نتبين
قلوباً أندلسية،
باحثة عن أشواك عتيقة.
يا طفلات،
أسدلن الستائر!
شجيرة يابسة
شجيرة ، شجيرة
يابسة وخضراء.
الطفلة الجميلة الوجه
تقطف زيتوناً
الريح ـ عاشقة الأبراج ـ
أمسكت بها من الخصر.
مر فرسان أربعة،
يمتطون مهوراً أندلسية،
يرتدون أزياء زرقاء وخضراء،
ومعاطف طويلة عتمة.
"ـ تعالي إلى غرناطة يا صبية "
لا تستمع إليهم الطفلة.
مر ثلاث مصارعي ثيران شباب،
هيف الخصور،
يرتدون أزياء بلون الليمون،
ويحملون سيوفاً من فضة عتيقة.
"ـ تعالي إلى إشبيلية، يا صبية"
لا تستمع إليهم الطفلة.
عندما أصبحت العشية
بنفسجية، وضوءها مبهم،
مر فتى كان يحمل
وروداً وريحان قمر
" ـ تعالي إلى غرناطة يا صبية"
لا تستمع إليه الطفلة.
ظلت الطفلة الجميلة الوجه
تقطف زيتوناً
والذراع الرمادي للريح،
يزنرها من الخصر
شجيرة، شجيرة
يابسة وخضراء.
موت أنطونيو آل كامبوريو
دوت أصوات موت،
قرب نهر وادي الكبير.
أصوات عتيقة تحاصر،
نبرة لقرنفل ذكر.
شك في الجزمات،
عضات خنزير بري،
كان يثب في الصراع
كدلفين مغسول القفزات.
غسل بدم عدو ،
ربطة عنقه القرمزية.
إلا أن أربعة خناجر ،
أجبرته على أن يسقط ،
عندما سمرت النجوم،
حربات حادة في المياه الرمادية،
عندما كانت الثيران الصغيرة تحلم
بمنثور زاهر،
دوت أصوات موت،
قرب نهر وادي الكبير.
أنطونيو توريس إيريديا،
كامبوريو كثيف الشعر،
اسمر كقمر أخضر،
ونبرة رخيمة لقرنفل ذكر
من سلبك الحياة،
قرب نهر وادي الكبير؟
ـ أبناء عمي إيريديا الأربعة،
أبناء بينا ميخي.
والذي ما غبطوا الآخرين عليه،
كانوا يحسدونني أنا عليه:
ميداليات كبيرة من عاج،
وبشرتي المعجونة
بالزيتون والياسمين.
آي، يا أنطونيو آل كامبوريو،
الجدير بعشق إمبراطورة،
تذكر العذراء،
لأنك ستموت.
آي فيديريكو غارثيا،
نادي رجال الدرك!
وتحطمت قامتي ،
مثل ساق ذرة.
ثلاث دفقات دم ،
وسقط على جانبيه وجهه.
نقود نادرة،
لن يعاد سكها ثانية.
يمدد ملاك أندلسي،
رأسه على وسادة.
وأشعل ملائكة آخرون،
ـ متعبو الوجه ـ قنديلاً.
عندما وصل أبناء العم الأربعة
إلى بينا ميخي،
انطفأت أصوات موت،
قرب نهر وادي الكبير.
غزالة الحب الطارئ
لم يكن أحد يدرك عطر
الماغنوليا العتمة لبطنك.
لم يكن أحد يعرف أنك تعذبين
طائر حب بين أسنانك.
كان ألف مهر فارسي يغفو،
في الساحة المغمورة بقمر جبهتك،
بينما كنت أنا أحتضن طوال أربع ليال
خصرك، عدو الثلج.
كانت نظرتك ، بين جص وياسمين،
غصناً شاحباً لبذار.
بحثت أنا ، لأعطيك من صدري،
حروف العاج، التي تقول: دائماً،
دائماً، دائماً:حديقة احتضاري،
جسدك الهارب إلى الأبد،
دم وريدك على شفتي،
فمك الذي صار بلا ضوء باقتراب موتي.
غزالة الحب اليائس
لا يريد الليل أن يأتي،
حتى لا تأتي،
ولا أستطيع أنا الذهاب إليك.
إلا أني سأذهب،
رغم أن شمس عقارب تحرق صدغي.
إلا أنك ستأتين،
بلسان محروق من مطر الملح.
لا يريد النهار أن يطلع ،
حتى لا تأتي،
ولا أستطيع أنا الذهاب إليك.
لكني سأذهب،
مسلماً لضفادع البر قرنفلي المعضوض.
لكنك ستأتين،
عبر المواخير الكدرة للعتمة.
لا يريد الليل ولا النهار أن يأتيا،
حتى أموت من أجلك،
وتموتي من أجلي.
غزالة الجذر المر
هناك جذر مر،
وعالم من ألف سطح.
إلا أن أصغر يد،
لا تستطيع أن تحطم باب الماء.
إلى أين تذهبين؟ إلى أين؟ إلى أين؟
هناك سماء ذات آلاف النوافذ
ـ عراك نحل داكن ـ
وهناك جذر مر.
مر.
إنه يخرج بأخمص القدمين،
أعماق الوجه،
ويجرح أيضاً جذع الليل البارد،
المقطوع للتو.
يا حب ، يا عدوي،
كيف يعض جذرك المر.
غزالة ذكرى الحب
لا تحملي ذكراك.
دعيها وحيدة في صدري.
ارتعاش لكرز أبيض،
في عذاب كانون الثاني.
يفصلني عن الأموات ،
جدار أحلام شنيعة .
أعطي حزن زنبق بارد،
لقلب من جص.
طوال الليل ، تسهر عيناي
في البستان، مثل كلبين كبيرين.
طوال الليل، أطارد
سفرجل السم.
يكون الهواء أحياناً،
خزامى من خوف،
إنه خزامى مريضة،
في الصبح الشتائي.
جدار من أحلام شنيعة ،
يفصلني عن الموت.
يكسو الضباب بصمت،
الوادي الرمادي لجسدك.
في ظل جسر لقائنا،
ينمو الشوكران السام الآن.
لكن دعي ذكراك،
دعيها وحيدة في صدري.
غزالة الموت المظلم
أريد أن أنام نوم التفاح،
وأن أبتعد عن جلبة المقابر،
أريد أن أنام رقاد ذاك الطفل،
الذي كان يريد أن ينتزع قلبه في عرض البحر.
لا أريد أن يعيدوا علي، أن الأموات لا تفقد دمها ،
وأن الشفاه المتعفنة تظل متعطشة للماء.
لا أريد أن أعرف شيئاً عن العذاب الذي يعطيه العشب،
ولا عن القمر ذي الفم الأفعواني .
الذي ينشط قبل طلوع الفجر.
أريد أن أغفو برهة،
برهة ، دقيقة، دهراً،
لكن ، ليعلم الجميع أني لست ميتاً،
وأني أحمل بين شقتي إسطبلاً من ذهب،
إني الصديق الصغير لريح الغرب،
وإني الظل الكبير لدموعي.
غطني ببرقع فجراً،
لأنه سيرميني بحفنات نمل،
ويبلل بماء صلب حذائي ،
حتى ينزلق فكا عقربه.
لأني أريد أن أنام نوم التفاح،
لأتعلم نحيباً يطهرني من التراب،
لأني أريد أن أعيش مع ذاك الطفل المظلم،
الذي كان يريد أن ينتزع قلبه في عرض البحر.
غزالة الهروب
ضعت مرات كثيرة في البحر،
أذني مليئة بأزهار مقطوفة للتو،
ولساني ملئ بحجب وباحتضار.
ضعت مرات كثيرة في البحر،
كما أضيع في قلب بعض الأطفال.
ليس هناك من ليلة لا يشعر فيها المرء،
بابتسامة ناس بلا وجوه،وهو يعطي قبلة،
وليس هناك من أحد، ينسى الجماجم الجامدة،
للأحصنة الميتة ،وهو يداعب وليداً.
لأن الورود تبحث في الجبين
عن منظر قاس لعظم،
ليس لأيدي البشر اتجاه،
غير تقليد الجذور في باطن الأرض.
كما أضيع في قلب بعض الأطفال،
ضعت مرات عديدة البحر.
جاهلاً للماء،أمضي مفتشاً
عن موت من ضوء يفنيني.
قصيدة جريح المياه
أريد أن أهبط إلى البئر،
أريد أن أتسلق جدران غرناطة،
لأنظر القلب المثقوب ،
بمخرز المياه المظلم.
كان الطفل الجريح يئن،
وتاجه من صقيع.
كانت برك، جبب، وينابيع،
تسل سيوفها في وجه الريح.
أي، أي جنون حب ، أي خنجر جارح ،
أي ضجيج ليلي، أي موت أبيض!
أي صحارى ضوء، كانت تحفر
رمال الفجر! كان الطفل وحده،
والمدينة غافية في حنجرته.
فوارة مياه آتية من الأحلام،
تحميه من الجوع، والطحلب،
كان الطفل واحتضاره، وجهاً لوجه،
مطرين أخضرين متعانقين.
كان الطفل يتمدد على الأرض،
ويحدودب ظهر احتضاره.
أريد أن أهبط إلى البئر،
أريد أن أموت موتي ، جرعة جرعة،
أريد أن أملأ قلبي طحلباً،
حتى أرى جريح المياه.
قصيدة البكاء
أغلقت شرفتي،
لأني لا أريد أن أسمع البكاء
إلا أن وراء الجدران الرمادية،
لا يسمع شيء غير البكاء.
هناك ملائكة قليلة تغني،
هناك كلاب قليلة تنبح،
يسقط ألف كمان في راحة يدي.
لكن البكاء كلب ضخم،
البكاء كمان ضخم،
الدموع تكم فم الريح،
ولا يسمع شيء غير البكاء.
قصيدة اليد المستحيلة
أنا لا أتمنى غير يد،
يد جريحة ، لو أمكن ذلك.
أنا لا أريد غير يد،
حتى لو قضيت ألف ليلة بلا مضجع.
ستكون زنبقاً شاحباً من كلس،
ستكون حمامة مربوطة بقلبي،
ستكون حارساً في ليل احتضاري،
يمنع بتاتاً القمر من الدخول.
أنا لا أتمنى شيئاً غير هذه اليد
للزيوت اليومية، وشرشف احتضاري الأبيض .
أنا لا أريد غير هذه اليد،
لتسند جناحاً من موتي.
كل ما تبقى يمر
تورد بلا اسم، كوكب أبدي دائم.
كل الباقي شيء آخر مختلف: رياح حزينة.
بينما تفر الأوراق أسراباً.
قصيدة الوردة
لم تكن الوردة
تبحث عن الفجر:
خالدة على غصنها تقريباً
كانت تبحث عن شيء آخر
لم تكن الوردة
تبحث عن علم ولا عن ظل :
تخوم من لحم وحلم،
كانت تبحث عن شيء آخر
لم تكن الوردة
تبحث عن الوردة .
جامدة عبر السماء،

كانت تبحث عن شيء آخر.

اخر مواضيع duha في المنتدى


آخر تعديل بواسطة duha ، 26-01-2008 الساعة 11:32 AM.
duha is offline   الرد مع إقتباس
قديم 26-01-2008, 01:24 PM   #29
عضو مسجل
 
الصورة الرمزية لـ duha
 
تاريخ التسجيّل: Jan 2007
المشاركات: 9,253
duha is on a distinguished road

قصيده سغيديلا الغجر
لوركا
ترجمه مصطفى الرادقي
منظر طبيعي
ريف
اشجار الزيتون
ينفتح وينغلق
كأنه مروحة



فوق دالية العنب الزيتوني
ثمة سماء محطمة،
ومطر معتم
من نجوم باردة.
علي حافة النهر
يرتعش الاسل والغبش
الهواء الرصاصي يتكدر
اشجار الزيتون
مثقلة
بالصراخ
وبسرب
طيور اسيرة
تحرك اذنابها الطويلة
في العتمة.
القيثارة
ها قد شرعت القيثارة
في ذرف الدمع
منذ اول الفجر
والكؤوس تتكسر
لقد شرعت القيثارة
في ذرف الدمع.
وبدون جدوي
سيتم اسكاتها.
انه لشيء مستحيل
محاولة اسكاتها
انه دمع ريب
كدمع الماء،
وكدمع الريح
فوق الثلج المتساقط
انه لشيء مستحيل
محاولة اسكاتها
لانها تبكي الاشياء
البعيدة.
رمل الجنوب المتقد
الذي يشتهي ازهار الكاميليا البيضاء
انها تبكي السهم الطائش،
المساء البلا غد،
وأول طائر مات
فوق الغصن.
آه، أيتها القيثارة!
آه، أيها القلب
المطعون حتي الموت
بخمسة سيوف.
الصرخة
قطع صرخة
يتمدد من جبل
الي جبل.
ومن رقصة الزيتون (ہ)
يمتد قوس قزح أسود
فوق الليل الازرق.
أي!
مثل قوس كمان،
رجت الصرخة
اوتار الريح الطويلة.
أي!
(الناس الذين يعيشون في المغارات
اخرجوا عيونهم).
الصمت
أنصت، يا بني، الي هذا الصمت
انه صمت متموج،
صمت
تنساب فيه الاصداء والوديان.
ويحني الجباه صوب الارض.
مرور موكب السغيديلا
بين فراشات سوداء،
تمشي فتاة سمراء
بجانب ثعبان ابيض
من ضباب.
ارض من ضوء،
وسماء من تراب.
الفتاة موثوقة الي ارتجافة
ايقاع لن يأتي ابدا،
لها قلب من فضة
وتمسك خنجراً في يدها اليمني.
الي اين تمضي، يا سغيديلا،
بايقاع قتيل؟
أي قمر سيحضن
وجعك الذي من جير ودفلي؟
أرض من ضوء.
وسماء من تراب.
بعد مرور الموكب
الاطفال ينظرون
الي نقطة نائية.
المشاعل انطفأت.
الفتيات الصغيرات الضريرات
يسائلن القمر،
وفي الجو تعلو
الدموع حلزونية.
الجبال تنظر
الي نقطة نائية.
ثم فيما بعد
المتاهات
التي يصنعها الزمن
تتبدد.
(وحدها الصحراء
تبقي)
القلب،
نافورة الرغبة،
يتلاشي
(وحدها الصحراء
تبقي)
وهم الفجر
والقبلات،
يضمحل.
وحدها الصحراء
تبقي.
صحراء
متموجة.
ہ اشارات سغيديلا La Seguiaild
رقصة اسبانية شعبية اندلسية الاصل
ہ رقصة الزيتون: رقصة شعبية ترقص بعد قطاف الزيتون.
*شاعر من المغرب

اخر مواضيع duha في المنتدى

duha is offline   الرد مع إقتباس
قديم 26-01-2008, 01:31 PM   #30
عضو مسجل
 
الصورة الرمزية لـ duha
 
تاريخ التسجيّل: Jan 2007
المشاركات: 9,253
duha is on a distinguished road
من قصائد لوركا



(1) أغنية ماء البحر

البحر من بعيد يبتسم
أسنانه زبد
والشفاه من سماء

****

وأنت يا فتاة كدرة المزاج
نهداك صوب الريح
ما بضاعتك ؟
سيدي :
أني أبيع ماء البحر

****

وأنت أيها الأسمر الفتى
ما الذي لديك بالدماء يمتزج ؟
سيدي
ذاك ماء البحر

****



وأنت يا أماه
من أين تأتي دموع الملح ؟
سيدي
أنما أبكي بماء البحر
ويا قلب وانت،ثم هذا القبر
من أين ينبع الأسى ؟
أجاج ماء البحر

****

البحر من بعيد يبتسم
أسنانه زبد
والشفاه من سماء

*******

(2) غرة الصباح

وكمثل الحب
فالرماة عميان
في الليل الأخضر
آثار السهام الدافئات زنابق

****

سفينة القمر
تحيل السحاب مزقا
والكنانات ملؤها الندى
آه ، كمثل الحب
الرماة عميان

****

(3) تضريعات

مياه الهواء ساكنة
تحت غصن الصدى

مياه المياه ساكنة
تحت سعف النجوم
مياه ثغرك ساكنة
وتحتها من القبلات أجمة

****

(4) أغنية المسافر

قرطبة 00
نائية وحيدة
مهر أسود ، قمر ضخم
وفي خرج السرج الزيتون

****

ورغم أني أعرف الطريق 00
فلا سبيل أبلغ قرطبة
عبر السهل ، عبر الريح
سهر أسود ، قمر أحمر
والردى إلى ناظر
من على قلاع قرطبة

****

آه ألا ما أطول الطريق
آه ، أيا مهري الشجاع
آه ، فذلك الموت ينتظر
قبل بلوغ غرطبة 00

****

قرطبة 00
نائية وحيدة 00



(5) حقيقة الأمر

ما أعظمه من جهد
أن أهواك كما أهواك

****

بسبب هواك
تعذبني الأنسام وقلبي
تؤلمني قبعتي

****

من مني يبتاع وشاحي هذا
وحزني ذاك وقد صيغ من الكتان الأبيض
كيما يجعله مناديل

****

ما أعظمه من جهد
أن أهواك كما أهواك

اخر مواضيع duha في المنتدى

duha is offline   الرد مع إقتباس
 
   
المشاركة في الموضوع


خيارات الموضوع
طريقة العرض قيّم هذا الموضوع
قيّم هذا الموضوع:

قوانين المشاركة
لا يمكنك إضافة موضوع جديد
لا يمكنك إضافة مشاركات جديدة
لا يمكنك إضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
Trackbacks are غير متاح
Pingbacks are غير متاح
Refbacks are غير متاح

مواضيع مشابهة
المواضيع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
من روائع جبران خليل جبران قلب الكنارى حبر و ورقة 18 08-01-2011 11:27 AM
... من روائع الكلمات هيثم حمدي قاعة ابن مصر العامة 19 14-09-2009 11:50 PM
من روائع ماكتبت فى الامل والالم hamada_omar حبر و ورقة 4 15-08-2007 11:07 AM
افضل 100حكمه عالميه ومعاصره راجية قاعة ابن مصر العامة 10 04-08-2007 03:45 PM
من روائع الكلام أبو أسامه المصرى قاعة ابن مصر العامة 4 25-02-2007 08:37 PM


جميع الأوقات بتوقيت مكة المكرمة. الساعة الآن » 03:56 AM.

ترجمة كلمات - دليل مواقع ابن مصر - مواقع صديقة - منتدى ابن مصر
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45

Powered by: vBulletin الاصدار 3.6.4
Copyright ©2000 - 2013, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.3.1 ©2009, Crawlability, Inc.