بحث لوحة التحكم مصر
خروج التسجيل مواضيع اليوم

العودة   عالم ابن مصر > ----عالم ابن مصر---- > قاعة كلمات > قصة و عبرة
التسجيّل الأسئلة الشائعة قائمة الأعضاء التقويم البحث مواضيع اليوم جعل جميع المنتديات مقروءة

المشاركة في الموضوع
   
 
قديم 22-02-2008, 05:30 PM   #1
عضو مسجل
 
الصورة الرمزية لـ سكون الليل999
 
تاريخ التسجيّل: Feb 2008
المشاركات: 24
سكون الليل999 is on a distinguished road
Thumbs up قصص

إبراهيم قصتي بلا نهاية



بينما هو في حضن أمه الدافئ.. يبتعد قليلاً ثم يعود إليه كلما أحس ببرودة أطرافه.. عمره أربع سنوات.. بهجة العائلة وعبيرها.. هو نحلة في بستان.. تزيد من جماله تلك الضحكات عندما يطلقها كتغريد العصافير..

أم إبراهيم منشغلة في أعمال المنزل.. إبراهيم يقفز كالأرنب.. وبينما كانت الأم تعد الغداء، انهمر المطر.. خرج إبراهيم يرقب القطرات كيف تسقط على أشجار الحديقة.. خطوة.. ثم خطوة.. يصل إلى الباب الرئيس.. وعند الباب يجد وردة جميلة منفردة.. يقطفها ليعطيها أمه.. وقبل أن يعود إلى الخلف إذ بسيارة تقف.. سائقها شاب.. بجواره امرأة.. تنادي إبراهيم.. بيدها حلوى.. يتناول الحلوى تمسك بيده.. ترفعه لتقبله..تحمله بين أحضانها.. يدير الشاب مقود السيارة ليطلقها كالبرق.. يصرخ إبراهيم أريد أمي.. أمي..

حل الظلام.. تغيرت القرية.. طريق طويل.. ثم في مكان عام يترك إبراهيم وحيداً.. أمي.. أبي.. وبكاء حزين.. يدور بين المارة.. عيناه شاخصتان.. قلبه يخفق..

لماذا امتدت يد الغدر إلى إبراهيم هل للثأر أم لقصة يخفيها الزمن؟..

وفي ساعة متأخرة من الليل.. تعود نورة من عملها لتجده وحيداً بجوار أحد المنازل.. ياه طفل.. كم هذه الأم مهملة.. قالتها نورة وهي متجهة نحو الباب الذي بجانبه.. تطرق.. ثم تطرق.. يفتح رجل كبير في السن لتسأله عن الطفل ويؤكد لها أنه لا أطفال لديه فزوجته ماتت منذ سنوات وتزوَّج أبناؤه وتركوه وحيداً في هذا المنزل.. عادت نورة نحو الطفل وحملته بين أحضانها.. أين تذهب به.. وبعد سلسلة من الأفكار.. اتصلت بمركز الشرطة.. وهناك يصحو إبراهيم ليعاود البكاء والحنين.. أيام يقضيها في مركز التائهين.. يتحول بعدها إلى بيت الطفل لرعاية الأيتام.. سنوات.. إبراهيم الآن في الابتدائية.. لا يذكر من أمه إلا أحلاماً.. يغوص مع أقرانه في لعبهم.. ثم يعود للأفكار.. تناديه المربية كلما لمحته يجلس منفرداً لتحتضنه لعلها تعطيه شيئاً من حنان أمه المفقود.. إبراهيم الآن أبيض البشرة مشرئبٌ بحمرة الورد.. أشقر الشعر.. عربي الملامح..

سنوات.. وما زال إبراهيم في دار الأيتام..

إبراهيم قصة طفل في الرابعة من عمره تقريباً أحضروه إلينا في مركز التائهين في شعبان 2241هـ وهو لا يعرف من أمره إلا اسمه الذي ينطقه بصعوبة عاش معنا أياماً حزينة رغم ما يتخللها من لعب ومرح في جنبات المركز نقل بعدها إلى بيت الطفل لرعاية الأيتام.


بنت أم القرى – مكة المكرمة


**
المصدر: مجلة الأسرة العدد (177) ذو الحجة 1428هـ


تحرير: حورية الدعوة
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا دعا الرجل لأخيه بظهر الغيب قالت الملائكة : ولك بمثل »



لا تنسو الردود





رأيت حلما .. صار هدفا
في أحد الأيام قال طفل صغير لعائلته: "أريد أن أحقق أشياء عظيمة في حياتي، وأعرف أني أستطيع".

بعد عدة سنوات، قال رجل عجوز لعائلته: " كان من الممكن أن أحقق أشياء عظيمة في حياتي، أتمنى لو حققتها".

هذه قصة حزينة لأن الطفل الصغير والرجل العجوز كانا الشخص نفسه!!

عندما تعيش لتحقيق حلمك، فإن العالم كله من حولك يتآزر - دون أن تدري- لتحقيق ذلك الحلم لك، وعندما تنام لتنعم بالأحلام، فإن العالم كله يتآزر - دون أن تدري - لجعلك تنعم بأحلام هادئة وأنت تغط في نوم عميق، بينما ينطلق هو ليحقق أحلامه.

لذا إذا أردت أن تحقق أحلامك أنت الآخر فاستيقظ من نومك فوراً!!..فجميل أن نحلم .. لكن
الأجمل أن نستيقظ لتحقيق أحلامنا.

سؤال استفزازي:
هل كانت لك أحلام وأنت صغير تريد أن تحققها عندما تكبر؟
رد طبيعي:
أجل، ومن منا لم تكن له أحلام كان يتمنى أن يحققها عندما يكبر!
سؤال استفزازي آخر:
هل كبرت بما فيه الكفاية لتحقق تلك الأحلام!
رد طبيعي:
أم م م م م مم م م م م!
لماذا سكت؟ دعني أجب عنك.
من منا لم تكن له أحلام وهو صغير - كل حسب أحلامه - ومن منا لم يتمنَّ أن يكون في وضع اجتماعي أفضل؟ ومن منا لم يحاول كثيراً الارتقاء بنفسه؟ فما الذي يحدث؟ وما هو الفرق بين الناس إذا كان الناس جميعاً يتشابهون في أحلامهم؟ وإذا كنا جميعًا نحب الترقي فلماذا ينجح البعض ويفشل البعض الآخر؟.

الناس على أصناف ثلاثة:
الأول: يصنع الأحداث:
هؤلاء هم الذين يعملون بروح المبادرة، يستيقظون من نومهم ليحققوا أحلامهم.
الثاني: يشاهد الأحداث:
مقلد ينتظر أن يهبط على غيره الإلهام ليعمل هو.
الثالث: يتساءل ماذا حدث؟

هؤلاء تجدهم على قارعة الطرق مفتحي الأفواه مغمضي العيون، إذا قلت لهم: إن الماء يتسرب من سقف بيتك قم وأصلحه؛ فإنه سيقول لك: إن المطر ينزل الآن، ولن أستطيع أن أصلحه، تقول له: إذن أصلحه عندما يتوقف المطر، يقول لك عندما يتوقف المطر لن ينزل الماء وبالتالي لن أكون بحاجة إلى إصلاحه.
والمطلوب منك أن تكون في الصنف الأول دائمًا، أن تحلم ثم تستيقظ من نومك لتحقيق أحلامك، لا تلعن الظروف ولا تختلق الأعذار، لكنك دائمًا توقد الشموع لنفسك، إن كنت راضيا عن نفسك في الوقت الحالي فهذا جميل، لكن الأجمل أن تعمل على التحسين المستمر لتلك النفس، أن تبقي على جذوة التطور متقدة داخلك، أن تواصل التعلم والتدريب والعمل.. تكون كما يقول النبي - صلى الله عليه وسلم: "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها".
لنسأل سويًا:
- ما الذي يمنعك من البدء في مشروع جديد تخطط له منذ سنوات؟
- ما الذي يمنعك من إتمام دراستك العليا أو التدريب على عمل جديد؟
- ما الذي يمنعك من العمل على إنقاص وزنك الزائد؟
- ما الذي يمنعك من القيام بعمل من شأنه أن يجعل حياتك على الصورة التي تخيلتها لنفسك وأنت صغير؟

تعال نحلم
عندما كنا أطفالاً صغارًا، كنا مبدعين ومغامرين، لم نكن نعرف حدوداً للأشياء، بل كنا نلعب ونجرب ونتساءل ونستخدم خيالنا بشكل عجيب، ومع الزمن دخلنا المدرسة! وما أدراك ما المدرسة؟ حيث كل شيء يخضع للتلقي، تعلمنا فيها أن ما يقوله الكبار دائمًا صحيح.. تعلمنا أن نبحث عن حل وحيد وصحيح لكل مشكلة، ولم يكن مقبولاً أبداً أن نكون مختلفين أو أن نحل المسائل بطريقة مختلفة؛ إذ كان المطلوب من الجميع الالتزام بالمقرر والمعهود.
ومع ذلك فإننا لا نفقد قدرتنا على التخيل والابتكار أبدًا، نحن فقط نتركها كامنة فينا فلا نستخرجها ولا نوظفها ولا ننميها، وتكون النتيجة أن نبدأ جميعا بالعمل في نطاق ضيق ومحدود وبلا خيال ولكنه معروف لنا ومريح، ولا نتطلع إلى خارج حدودنا حتى يمضي وقت طويل ونحن في مكاننا.
كن طفلاً بعض الوقت
إذا أردت أن تعيد خيالك ثانية فارجع برحلة إلى أيام الطفولة، أي أن تفكر بعقلية طفل، لا تضحك.. إنهم أكثر إبداعًا منا، ولكي تعود إلى أحلام الطفولة سريعًا لا بد أن تغير قليلاً من طريقة الحياة الرسمية التي تحياها.. وإليك بعض الأفكار التي تجعلك تفكر بطريقة أكثر تحرراً من القيود وتقربك من التخيل والابتكار:
1- خصص خمس دقائق للتخيل صباح كل يوم ومساءه.
2- اقض يومًا كاملاً دون أن تصدر حكمًا على أي شيء أو أي إنسان.
3- استلق في أحد الحقول وراقب الغيوم والنجوم.
4- عد إلى البيت وتناول عشاءك ونظف أسنانك والبس ملابس النوم، ونم دون أن تضيء النور.
5- قم بزيارة الأحياء القديمة والحارات الضيقة في مدينتك.. حتى تلك الأماكن التي لا تستهويك.
6- اصنع أشكالا من الصلصال والعب بها، وإذا لم يتوافر فاصنعها من الطين.
7- قم بفك أحد الأجهزة الكهربائية الرخيصة في بيتك، وحاول أن تركبه ثانية.
احلم وتخيل وتمنى خارج نطاق الممكن والمعقول؛ اجعل لك دوائر أربعة أو خمسة أو حتى عشرة تريد أن تكون مفعمة بالحياة.

انظر لنفسك على المستوى الاجتماعي ثم تمنَّ ماذا تريد أن تكون.. لا تخش الكلام، قل كل ما تتمناه.. هذا حلم.. لا أحد سيمنعك منه.. اكتب حلمك هنا.. وخذ مني هذا المثال وبدله كما تريد:
- أتمنى المساهمة في نشاط الجمعية الخيرية في بلدي بنصف وقتي.
هذا حلم اجتماعي، ولك أحلامك الخاصة اكتبها......
انظر لنفسك على المستوى المادي.. ثم تمنَّ ماذا تريد أن تكون على المستوى المادي.. لا تنس أننا في حلم ..احلم.. تريدني أن أكتب معك هذه المرة أيضاً؟ لا بأس
. - أتمنى الحصول على سيارة جديدة بدل سيارتي المنتهية.
هذا أيضا حلم.. لماذا لا تحققه؟ هل تريد خطوات تحويل الحلم إلى حقيقة؟ إذن إليك بها:
الأولى: الالتزام
أول خطوة هي (الالتزام).. أجل أن تلتزم بتحقيق هذا الحلم، وما رأيك الآن إذا قمت بشطب كلمة "أتمنى"، ووضعت بدلاً منها كلمة "ألتزم"
- ألتزم المساهمة في نشاط الجمعية الخيرية في بلدي بنصف وقتي.
- ألتزم الحصول على سيارة جديدة بدل سيارتي المنتهية.
ما شكل المعنى الذي أمامك الآن.. تريد أن تتمنى أم تريد أن تلتزم ..إذا أردت أن تستيقظ من أحلامك فعليك بالالتزام بتحقيق تلك الأحلام.. إذن خذ الأمر مأخذ الجدية فإن وراءك التزامات لا بد من أن تحققها تجاه نفسك ومجتمعك.
الثانية: الاستثمار في قائمة الأحلام
بعد أن تلزم نفسك ببعض الأحلام التي تستطيع أن تحققها بشيء من الجهد، عليك الآن أن تستثمر وقتك لتحقيق حلمك.. يقولون: إن الناس يمضي بهم قطار العمر سريعًا إذا لم يستفيدوا من وقتهم.. هكذا يقولون.. ولا تسألني من؟ ولكني أصدقهم.. لأنه إذا كان لديك حلم.. وحافز ..فلن يبقى لك إلا الوقت، فماذا أنت فاعل معه؟.
كيف ستنظم وقتك:
1. قم بوضع قائمة سمها قائمة "الأحلام".
2. اختر منها الأحلام التي ستلزم نفسك وضعها في قائمة ثانية سمها "الأهداف".
3. خذ كل هدف واجعله "هدفاً فعالاً"، ولكي يصبح الهدف له مواصفات يجب أن نقيسها عليه، وهي:
أن يكون الهدف واضحًا غير مبهم.
أن يقاس أو يسهل قياسه.
أن يكون تحديًا يمكن تحقيقه.
أن يرتبط ببرنامج زمني محدد.
أن يرتبط الهدف بنتيجة وليس نشاطًا مؤقتًا.
أن يكون الهدف مشروعًا.

ولنأخذ مثالا على حلم تريد تحقيقه، هب أنك تريد حفظ ستة أجزاء من القرآن، وكم منا قد تمنى لو ختم القرآن حفظًا، ولكن الأمر لم يزد عن كونه أمنية لدى الكثيرين منا.. ماذا ستفعل؟
1. ستكتب أنك تتمنى ختم ستة أجزاء من القرآن.
2. سوف تمحو كلمة تتمنى، وتكتب بدلاً منها ألتزم بختم ستة أجزاء من القرآن.
3. سوف تحدد فترة زمنية للانتهاء من هذه المهمة، ولتكن ستة أشهر وذلك كالجدول التالي:

جدول زمني لحفظ ستة أجزاء من القرآن الكريم

الفترة الزمنية للمهمة ستة أشهر

جماد ثان جماد أول ربيع ثان ربيع أول صفر محرم
المهمة

الجزء 25 الجزء 26 الجزء 27 الجزء 28 الجزء 29 الجزء 30
حفظ ستة أجزاء

وهذه نسمها في بعض الأحيان خطة إستراتيجية.. أسماء كبيرة أليس كذلك .

قم بالتخطيط شهراً شهراً كالتالي:

جدول تفصيلي لمدة شهر

الفترة الزمنية شهر المحرم

الأسبوع الرابع الأسبوع الثالث الأسبوع الثاني الأسبوع الأول
المهمة

إنهاء جزء الربع 5.6 إنهاء حزب الربع 1.2 حفظ الجزء 30


يسمون هذه أحياناً الخطة المرحلية ..ما زلنا مع أسماء كبيرة لمسميات سهلة.

ارفض عضوية "نادي المسوفين"

بعد ذلك قم بتقسيم اليوم إلى ساعات عمل، واحذر من التسويف والتأجيل.. فإنهم أول طرق القتل للعمل.."، هل تعرف أنهم أنشئوا ناديًا في الولايات المتحدة اسمه نادي المسوفين، احتفلوا فيه بليلة رأس السنة الميلادية يوم 30 إبريل.. لا تنضم لهذا النادي أبداً، ولا تجعل الأعمال الأقل أهمية تأخذ وقت الأعمال الهامة؛ لأن الوقت سيمر دون أن تشعر ثم تتذكر بعد ستة أشهر أنك كان لديك حلم يا ليتك حققته، ولكني أحسبك قادراً إن شاء الله الآن على تحقيق أحلامك.
وتذكر قبل الوداع:
توكل على الله تعالى في كل أمر.. ثق أنه تعالى مسبب الأسباب، وأن كل تخطيطك هذا هو أخذ بالأسباب، فإنه تعالى قد أمر "مريم" عليها السلام بأن تهز جذع النخلة، وهي في مرحلة المخاض؛ لكي نتعلم الأخذ بالأسباب، وقديمًا قالوا: "يرزق الله تعالى الطير بالحَب، ولكن الحبُ لا ينبت في الأعشاش؛ فتعلم السعي".

أحلامك هي ملك لك وحدك، لا تقارن نفسك بأحد؛ فأنت نسيج وحدك.

عندما تبدأ في تنفيذ خطتك سوف يكون هناك عقبات، ثق أن العقبات مثل الصخرة الكبيرة يراها الضعيف سدًا، ويراها القوي درجة يرتقيها نحو تحقيق أحلامه، فكن قويًا واسترجع قول النبي –صلى الله عليه وسلم: " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَرُ الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان"



لا تنسو الردود




فشل فيل !!
عندما كان عمره شهرين وقع الفيل الأبيض الصغير في فخ الصيادين في إفريقيا، وبيع في الأسواق لرجل ثري يملك حديقة حيوانات متكاملة. وبدأ المالك على الفور في إرسال الفيل إلى بيته الجديد في حديقة الحيوان، وأطلق عليه اسم 'نيلسون'، وعندما وصل المالك مع نيلسون إلى المكان الجديد، قام عمال هذا الرجل الثري بربط أحد أرجل نيلسون بسلسلة حديدية قوية، وفي نهاية هذه السلسلة وضعوا كرة كبيرة مصنوعة من الحديد والصلب، ووضعوا نيلسون في مكان بعيد عن الحديقة، شعر نيلسون بالغضب الشديد من جراء هذه المعاملة القاسية، وعزم على تحرير نفسه من هذا الأسر، ولكنه كلما حاول أن يتحرك ويشد السلسلة الحديدية كانت الأوجاع تزداد عليه، فما كان من بعد عدة محاولات إلا أن يتعب وينام، وفي اليوم التالي يستيقظ ويفعل نفس الشيء لمحاولة تخليص نفسه، ولكن بلا جدوى حتى يتعب ويتألم وينام.
ومع كثرة محاولاته وكثرة آلامه وفشله، قرر نيلسون أن يتقبل الواقع، ولم يحاول تخليص نفسه مرة أخرى على الرغم أنه يزداد كل يوم قوة وكبر حجمًا، لكنه قرر ذلك وبهذا استطاع المالك الثري أن يروض الفيل نليسون تمامًا.
وفي إحدى الليالي عندما كان نيلسون نائمًا ذهب المالك مع عماله وقاموا بتغيير الكرة الحديدية الكبيرة لكرة صغيرة مصنوعة من الخشب، مما كان من الممكن أن تكون فرصة لنيلسون لتخليص نفسه، ولكن الذي حدث هو العكس تمامًا.
فقد تبرمج الفيل على أن محاولاته ستبوء بالفشل وتسبب له الآلام والجراح، وكان مالك حديقة الحيوانات يعلم تمامًا أن الفيل نيلسون قوي للغاية، ولكنه كان قد تبرمج بعدم قدرته وعدم استخدامه قوته الذاتية.
وفي يوم زار فتى صغير مع والدته وسأل المالك:
هي يمكنك يا سيدي أن تشرح لي كيف أن هذا الفيل القوي لا يحاول تخليص نفسه من الكرة الخشبية؟
فرد الرجل: بالطبع أنت تعلم يا بني أن الفيل نيلسون قوي جدًا، ويستطيع تخليص نفسه في أي وقت، وأنا أيضًا أعرف هذا، ولكن والمهم هو أن الفيل لا يعلم ذلك ولا يعرف مدى قدرته الذاتية









ما المستفاد من هذا المثل؟
معظم الناس تبرمج منذ الصغر على أن يتصرفوا بطريقة معينة ويعتقدوا اعتقادات معينة، ويشعروا بأحاسيس سلبية معينة، واستمروا في حياتهم بنفس التصرفات تمامًا مثل الفيل نيلسون وأصبحوا سجناء في برمجتهم السلبية، واعتقاداتهم السلبية التي تحد من حصولهم على ما يستحقون في الحياة.
فنجد نسب الطلاق تزداد في الارتفاع والشركات تغلق أبوابها والأصدقاء يتخاصمون وترتفع نسبة الأشخاص، الذين يعانون من الأمراض النفسية والقرحة والصراع المزيف والأزمات القلبية ...
كل هذا سببه عدم تغيير الذات، عدم الارتقاء بالذات.
حتمي ولا بد:
إن التغيير أمر حتمي ولا بد منه، فالحياة كلها تتغير والظروف والأحوال تتغير حتى نحن نتغير من الداخل، فمع إشراقة شمس يوم جديد يزداد عمرك يومًا، وبالتالي تزداد خبراتك وثقافاتك ويزداد عقلك نضجًا وفهمًا، ولكن المهم أن توجه عملية التغيير كي تعمل من أجل مصلحتك أكثر من أن تنشط للعمل ضدك.
إن الفيل نيلسون كمثال، تغير هو نفسه فازداد حجمًا وازداد قوة، وتغيرت الظروف من حوله فتبدلت الكرة الحديدية الكبيرة إلى كرة خشبية صغيرة، ومع ذلك لم يستغل هو هذا التغيير ولم يوجهه، ولم يغير من نفسه التي قد أصابها اليأس ففاتته الفرصة التي أتته كي يعيش حياة أفضل.
إن الله تعالى ـ قد دلنا على الطريق إلى الارتقاء بأنفسنا وتغيير حياتنا إلى الأفضل فقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد:11].
ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد دلنا على الكيفية التي نغير بها أنفسنا، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: 'ومن يستغن يغنه الله ومن يستعفف يعفه الله ومن يتصبر يصبره الله'.
وقال صلى الله عليه وسلم: 'إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم، ومن يتحرر الخير يعطه، ومن يتوق الشر يوقه'.
فكل واحد فينا من الممكن بل من السهل أن يتغير للأفضل، ولكلما ازداد فهمك لنفسك وعقلك أكثر كلما سهل عليك التغير أكثر وهذا ما تحرص عليه هذه الحلقات أن تمنحك أدوات التغيير لنفسك ولعقلك، ولكن من المهم أن تتذكر دائمًا أن التغيير يحدث بصفة مستمرة، وأنك إن لم تستطيع توجه دفة التغير للأفضل فستتغير للأسوأ قال تعالى: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ} [المدثر:37].
فهو إما صعود أو هبوط؛ إما تقدم أو تأخر، إما علو أو نزول.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو كيف أغير من نفسي؟
كيف أتحسن للأفضل؟ إليك أيها الأخ شروط التغيير
شروط التغيير الثلاثة:
الشرط الأول: فهم الحاضر:
الفرصة الخاصة بالتغير لا يمكن أن تتواجد إلا في وقتك الحاضر، وهذا يعني أن الشرط الأول من أجل تحقيق تغيير مجدٍ هو أن ترى بوضوح أين توجد الآن وفي هذه اللحظة. لا تخفِ نفسك بعيدًا عن الحقيقة الراهنة، فإذا كانت هناك بعض المظاهر التي لا تعجبك، فبوسعك أن تبدأ بتخطيط كيفية تغييرها، لكنك لو تظاهرت بعدم وجودها فلن تقوم بتغييرها أبدًا، ولذا فكن صريحًا مع نفسك منصفًا في رؤيتك لها على وضعها الحالي.
الشرط الثاني: لا تؤرق نفسك بالماضي:
إن الامتعاض بالأخطاء والهموم التي جرت بالأمس أمر مفهوم، لكنه من الخطأ أن تسمح للماضي أن يكون سجنًا لك، وبذلك فإن الشرط الثاني للتغيير المثمر هو المضي بخفة بعيدًا عن الماضي. إن الماضي بنك للمعلومات يمكنك أن تعلم منه، لكنه ليس بالشرك الذي يسقطك في داخله.
فخذ ما تشاء من الماضي من فوائد وخبرات ومعلومات، لكن إياك أن تعيشي في الماضي. أنت الآن شخص جديد أقوى بكثير من الماضي، وأفضل بكثير من الماضي، واستفدت من أخطاء الماضي فكيف تعيش فيه؟
الشرط الثالث: تقبل الشك في المستقبل:
قال تعالى: {قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ} [النمل:65].
وقال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً} [الجـن:26].
إن المستقبل بالنسبة لنا أمر غيبي لا ندري ما الذي سيحدث فيه، ولكن هذا لا يعني ألا نضع الأهداف، وألا نخطط لمستقبلنا، هذا لا يعني ألا نتوقع ولا نتقبل الشك فيما قد يحدث لنا وللعالم حولنا لنكون على أهبة الاستعداد له، فعلينا الأخذ بالأسباب المتاحة لنا، وقد ادخر رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ نفقة أهله لسنة كاملة. ولذا فكي نحقق تغييرًا مثمرًا فإننا بحاجة إلى ترك مساحة للمجهول المشكوك فيه.
حياة وأمل:
'كان همام في قمة السعادة حينما أيقظته والدته لكي يستعد لسفر لأداء العمرة. وكان همام الذي يعيش في جمهورية مصر العربية والذي قد بلغ من العمر أربعة عشر عامًا سيركب الباخرة مع أهله للنزول في ميناء جدة. مضى الوقت سريعًا وبدأت السفينة في الإبحار، وفي ذلك الوقت كانت العائلة في المطعم تتناول الغداء، واستغل همام انشغال الجميع وذهب إلى سطح السفينة ليشاهد ويتمتع بمنظر البحر.
وذهب همام إلى نهاية السفينة وبدأ ينظر إلى أسفل، وانحنى أكثر من اللازم وكانت المفاجأة وقع همام في البحر، وأخذ يصرخ ويطلب النجدة ولكن بدون جدوى، وأخيرًا كان هناك أحد المسافرين وهو رجل في الخمسينات من عمره فسمع صراخ همام، وبسرعة ضرب جهاز الإنذار ورمى نفسه في المياه لإنقاذ همام. تجمع المسافرون وهرول المتخصصون وبسرعة ساعدوا الرجل وهمام وتمت عملية الإنقاذ،ونجا همام من موت محقق.
وعندما خرج من المياه ذهب همام إلى والديه واعتذر عما صدر منه، وأخذ يبحث عن الرجل الذي أنقذه حتى وجده واقفًا في ركن من الأركان، وكان ما زال مبللاً بالمياه جرى إليه وحضنه وقال:
'لا أعرف كيف أشكرك لقد أنقذت حياتي من الغرق'.
فرد الرجل عليه قائلاً: 'يا بني أتمنى أن حياتك تساوي إنقاذها'.
هل فهمت هذا المثل جيدًا؟
والآن دعني أسألك:
هل حياتك تساوي إنقاذها؟
هل تريد أن تترك بصمات نجاحك في الدنيا؟
هل قررت أن تتغير للأفضل وأن ترتقي في حياتك؟
هل نويت أن تتقرب إلى الله وتحرص على محبته ورضاه؟
هل اشتريت الجنة التي خلقت لتسكن فيها؟
ابدأ من اليوم في تغيير نفسك وتذكر قول الشاعر:
ما الحياة إلا أمل يصاحبها ألم ويفاجئها أجل.
ونعلم أنك قد تفكر في ميلك إلى إجراء العديد من التغييرات لكنك لا تعرف من أين تبدأ؟ لا تحاول أن تجرب عمل الكثير مرة واحدة. حدد أي التغييرات التي عليك القيام بها أولاً ؟ فلأن تضيء شمعة واحدة خير من أن تلعن الظلام ألف مرة.




لا تنسو الردود




قصة إسلامي

* الزهراء *
</TD< tr>

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الحمد لله رب العالمين
و الصلاة و السلام على سيد المرسلين سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين

أما بعد ...
فهذه قصتي أحببت أن أرويها لما فيها من فوائد و عبَر ، و أشهد الله تعالى على صدقي و عدم مبالغتي في أدنى أمر من الأمور . جعلنا الله و إياكم من الذين أشارت إليهم أعلام الهداية و وضحت لهم طريق النجاة و سلكوا سبيل الإخلاص و اليقين .

نشأت و ترعرعت في أسرة تحب العلم و تحرص عليه ، فأخي مهندس وأخواتي حاصلات على شهادات جامعية عليا من طب و هندسة و آداب و تجارة.
أما والدي و والدتي فقد استطاعوا بعون الله تعالى أن يغرسوا فينا الكثير من الأخلاق الحسنة و المُثل العليا و أن يكونوا لنا قدوة في هذه الأخلاق . فوالدي ربّانا على المال الحلال، و مع أنه كان برتبة عميد و كان بإمكانه أن يجمع ثروة فيما لا يرضي الله تعالى و لكنه أبى ذلك . و والدتي غرست فينا الأدب و العفّة و التهذيب ، وكان كل منهما يخاف علينا و يحرص على سمعتنا . أما من ناحية الاعتقاد ، فأفراد عائلتي ما كانوا من المسلمين السّنة ،بل كانوا ينتمون إلى إحدى الطوائف المنشقّة عن الإسلام .

عشت طفولة ممتعة بين أحضان الطبيعة ، و انتقلت من المرحلة الإبتدائية إلى المرحلة الإعدادية و الثانوية ، و درست بعدها في معهد لإعداد المدرسين قسم اللغة الإنكليزية ،ثم تعيّنت بعد التخرج كمدرّسة في إحدى المدارس الإعدادية في منطقة ريفية . و بما أني كنت طموحة للأفضل ، فقد درست البكالوريا ثانية و دخلت كلية الآداب . كل هذه السنين التي مرّت من عمري ، كانت تبدو للعيان لامعة برّاقة ، ولكنها في الحقيقة ليست أكثر من زجاج متكسّر ! فمع أني حققت نجاحاً في مجالات شتى ... إلا أني كنت ضمنياً ضائعة وأفتقد إلى الطمأنينة و السّكينة الرّوحية !! و خاصة في تلك السنوات الخدّاعات التي ظهر فيها الملاحدة و الكفرة والعلمانيون لينفثوا سمومهم في عقول و نفوس الناس إلا من رحم ربّك ! فأفسدوا الناس عامة بدعوتهم للتخلي عن إيمانهم و مبادئهم ، وأفسدوا المرأة خاصة بدعوتها إلى التبرج و السفور و مزاحمة الرجال و مخالفة فطرتها بحجة التحرر و التخلص من الرجعية و التخلّف !!
و بهذا ، فقد كنت ناجحة في المجال العلمي، لكن و للأسف ، كنت أنهل ثقافتي من ماء عكر و أنا أحسب أني أحسن صنعاً !
كنت ناجحة في المجال التعليمي ، لكني بالواقع ضللت و أضللت و أنا أظن أني صلحت و أُصلحت !!
كنت ناجحة في الحياة الإجتماعية ، و يلتفّ حولي الكثير ون يطرونني و يصفّقون لي ، و لكني ضمنيّاً كنت ضائعة و متشتتة !!
أربع و عشرون عاماً مرّوا من حياتي و أنا أعيش للحياة الدنيا ، أمرح و أضحك ، ألبس أجمل الثياب و أتزين بأبهى زينة ، حفلات رحلات زيارات ... أما التفكير في الآخرة فقد كنت أتناساه و لكنه ما كان ينساني !! كان يراودني من حين لآخر ليزعج صفوتي و يقلق راحتي لبرهة من الزمن ثم يرتحل !! فكان يحضرني في مناسبات يُقدّرها الله تعالى لي كأن أرى جنازة مثلاً تمرّ من أمامي ، أو أن أسمع قرآناً أو قصة دينية أو وعظاً من التلفاز أو من معلمة الديانة !! فقد كنت منذ نعومة أظافري أتأثر كثيراً و تدمع عيوني لسماع هذه الأشياء لكن لفترة وجيزة فقط ثم أعود لأنغمس في الدنيا . المهم ، بقيت على هذا المنوال حتى جاء عام 1994 ليكون بداية لتحوّل جذري في حياتي ، فقد بدأت الابتلاءات و المحن بشتى أنواعها تتوالى عليّ و على عائلتي ،أزمات و أزمات اجتمعت لتهزّني من الأعماق و تجعلني أميل نحو الهدوء و الحزن . و حُبب إلى نفسي قراءة الكتب التي تتعلق بفلسفة الوجود و الإنسان و الروحانيات . بعد حين من الزمن ، شاء الله تعالى أن أزور خالي في المشفى لعيادته بعد أن أجرى عملية جراحية ، و حين دخلت إلى غرفته فوجئت بضعفه و شحوبه و حالته المتردّية ، كان يلفظ أنفاسه الأخيرة متمدداً لا حول له و لا قوة !! الجميع من حوله واقفون عاجزون لا يستطيعون نفعه بشيء !! شهدت منظراً ما شهدته في حياتي قط ، منظر إنسان يخصّني يصارع الموت و يُحتضر ، ثم توفي و بدأ البكاء و الصراخ يعلو ، و الرعب يسود الجو ، حاولت الثبات قدر المستطاع كي أصبّر أسرته و أواسيهم ، لكن هذا الثبات لم يدم أكثر من فترة قليلة ثم انهارت أعصابي بعدها و أخذوني إلى المنزل ليبعدوني عن هذا الحدث ،إلا أن هذا الحدث كان قد انتقل ليعيش في أعماقي ، فقد صار التفكير بالموت هاجسي ، و التساؤلات خواطري : " كيف يموت الإنسان ؟ أين تذهب روحه ؟ ماذا بعد الموت ؟ هل فكرة التقمّص صحيحة أم ً أن الروح تعيش حياة برزخية إلى يوم القيامة ؟ هل يوجد عذاب في القبر ؟ أكيد سأموت يوماً ما ، فماذا سيحل ّ بي ؟! هل أنا على الصراط المستقيم يا ترى أم أني في ضلال مبين ؟! ماذا ...و هل ... و كيف ...؟؟؟!!! "
عشت في دوامة و صراع فكري رهيب أرّقني و أحرقني ... و روّعت فكرة الموت و الأمور ( الميتافيزيقية ) أيامي و لياليّ ، و جعلتني أخاف و أرتعب من البقاء في المنزل بمفردي أو من النوم في الغرفة لوحدي دون أخواتي،و خيّمت عليّ الأوهام في النهار و الكوابيس في الليل حتى اسودّت عيشتي ! حاولت أن أقرأ في بعض كتب المذهب عندنا و لكني ما وجدت فيها ما يشفي آلامي . فماذا عساي أن أفعل مع هذه المعضلة النفسيّة التي ألمّت بي؟ لا بد من الخروج منها و إلا أهلكتني !!
فكرت و فكرت ...و وصلت إلى قناعة معينة ، أنه يكفيني أن أؤمن بالله و أن أبتعد عن المحرّمات و أحب الناس كلّهم و لا أؤذي أحداً ، و أن أعمل أعمالاً خيرية و كفى ... ثم قررت أن أملأ أوقاتي كلّها كي لا يبقى عندي أدنى و قت من الفراغ ... صرت أداوم في المدرسة صباحاً ، ثم في الجامعة ظهراً و عصراً ، و في المساء كنت أعطي دروساً خصوصية لبعض الطالبات ، ثم أعود للمنزل بعد أن ينفذ وقودي فأغطّ في نوم عميق حتى الصباح . أما يوم الجمعة فكان لتنظيف المنزل و الحياة الإجتماعية ...و يوم الثلاثاء يوم إجازتي ، خصصته لممارسة هواية من هواياتي ...فاشتريت آلة موسيقية ( أورغ ) ، و سجّلت بمعهد خاص لتعليم العزف ... و هكذا صارت أوقاتي مملوءة تماماً . بقيت على هذه الحال ما شاء الله لي أن أبقى ، و ظننت أني انتصرت على أزماتي بهروبي من ذاتي ... لكن الله سبحانه أراد أن يُنبهني و يذكّرني ! وكأنه يقول لي ( يا أمَتي أين المفرّ ؟) ... فقد مرضت مرضاً شديداً بعد هذا العناء الطويل ، و أصبت بحمّى ألزمتني الفراش ، و تراجعت صحّتي و ضعف جسدي و شعرت أنه قد اقترب أجلي ، تأزّمت و خفت من المصير المجهول الذي ينتظرني ، بكيت و تضرّعت إلى الله تعالى...وناجيته بدموع غزيرة و قلب محروق :
( يا رب ، سبحانك ، لماذا خلقتني و أين المصير ؟ يا رب ، هل أنا على حق أم على باطل ؟ هل الملّة و المذهب الذي أنتمي إليه صحيح أم زائف ؟ لماذا وُلدت على هذا المذهب و لم أولَد في غيره ؟ و هل مفروض علي أن أتّبع آبائي و أجدادي أم أني أستطيع أن أبدّل مذهبي ؟!و إن كان، فأي دين أو مذهب أختار ؟! يا الله ...يا رحمن يا رحيم ...لا تقبض روحي الآن ...أحيني و سأبحث و أجتهد للآخرة ، فماذا تساوي هذه الدنيا بكل زخارفها أمام لحظة الموت ؟! ... لا تقبضني يا رب حتى تهديني إلى الحق المبين ) . فاستجاب الله تعالى دعائي و ردّ إليّ صحتي و عافيتي . و بدأتُ مسيرتي في البحث عن الحقيقة . صرت أتردد إلى المكتبة للقراءة و الاطلاع على الكتب الدينية و الروحانية ... و بدأت أتنقّل من كتاب دين إلى آخر ، و أبحث في شرائع و مذاهب و فلسفات متعددة ... و ما أكثرها !!
ثم سألت نفسي بعد أن طال الطريق عليّ و كدت أتمزق بين فروعه و تشعّباته : " كم سيلزمني من العمر حتى أختم القراءة في كل حقل من هذه الحقول ؟؟!! و كيف سأعرف أيها منهم الحق ؟! "
عدت للرجوع إلى الخالق الهادي النور ... و دعوته أن يعينني و ينوّر بصيرتي و يلهمني الهدى ... سبحانه . و للمرة الثانية ، منّ عليّ الكريم الحيي الذي يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردّهما صفرا ، و استجاب لدعائي ، إذ كنت في معرض للكتاب فوقع بصري على المصحف الشريف و انشرح له صدري ... فاشتريته ، و صرت أقرأ فيه قبل النوم ليلاً و بعد الاستيقاظ صباحاً ، و بدأت أشعر براحة نفسية ملحوظة ، و صرت أجد فيه حلاً لكثير من مشاكلي و ذهاباً لكثير من همّي و غمّي و حزني .
بعد شهور جاء رمضان الخير و الرحمة و البركة ، و شعرت بهاتف داخلي يدعوني لصيام هذا الشهر فلبّيت النداء ، و بدأت رحلتي الروحية مع الصيام و القرآن و الدعاء . عشت في رمضان أمتع لحظات حياتي ، و خاصة تلك التي قبل الإفطار ، إذ كنت أخرج إلى الشرفة أدعو و أناجي الخالق و أسبحه دون أن أكترث ببرد الشتاء آنذاك ، فحرارة الإيمان بداخلي كانت تكفيني !
وأذكر أني دعوت الله حينها بدعوات ثلاث كانت كلها مستجابة و بفترة وجيزة مما زادني إيماناً و تثبيتاً . لكن هذا المسار الذي سلكته لفت انتباه الأهل و تساؤلاتهم ، و راحوا يحقّقون معي و يعترضونني بآرائهم و أفكارهم التي تربّوا عليها ،إلا أني صمدت بفضل الله تعالى و ما تأثرت ، و أكّدت لهم أن هذه الأمور تريحني نفسياً فقط فهدأوا . انتهى شهر المغفرة و الرحمة ، و مرت شهور بعده تعطّشت روحي خلالها للمزيد من العبادات و القربات ، كنت أستيقظ في فترة السّحر لأذكر الله بما يتيسّر و أدعوه . ثم كان صوت الآذان يصلني من بعيد من المنطقة المجاورة في هدوء الفجر و صفائه ليجعلني أتمنى أن أقوم و أصلّي ! لكن كيف يصلّون ؟ و من سأسأل عن كيفية الصلاة ؟ كان عندي صديقات مسلمات و لكني كنت أشعر بالحرج من أن أسألهم ، و ظننت بأن الخوض في المسائل الدينية سوف يكون أمراً شائكاً و حساساً و قد يوصلني إلى أمور غير مستحبة ، لذلك تركت الموضوع إلى أجل غير مسمى . توالت الأيام ... و كأي فتاة في ريعان الصبا كان يتقدم لخطبتي الكثير من الشبّان ، إلا أني ما وجدت منهم الشخص المناسب بسبب ذوقي الصعب في اختياري لزوج المستقبل ، لكن أمي و بعض المقرّبين بدأوا يعظونني و ينصحونني كي لا أعقّد المسائل كثيراً و يبيّنون لي حاجة كل فتاة إلى الزواج حتى لا يأتي عليها يوم تجد فيه نفسها وحيدة ، و خاصة بعد وفاة الأهل و انشغال الأخوة . فأقنعوني إلى حد ما ، فدعوت الرب تبارك و تعالى أن يرزقني بالزوج الصالح الذي يأخذ بيدي إلى الصراط المستقيم و أتابع معه طريقي الذي ابتدأته في البحث عن الحق !
و ما هي إلا شهور حتى تقدّم لخطبتي شاب يعمل في الإمارات ،كان هذا الشاب يتميّز بصفات إيجابية عديدة و أهمها " الإيمان " فقد لمست كثرة ذكره لله في أول زيارة لنا مع أمه ، و حين أتيحت الفرصة ، أسرّ لي بأنه قد صام شهر رمضان الماضي و أنه يذهب إلى المسجد في كل يوم جمعة لحضور خطبة و صلاة الجمعة !! هذا الأمر جعلني أوافق على الفور .و تمّت الخطوبة و كتب الكتاب ثم سافر و تبعته بعد شهرين إلى هناك ،سافرت كعروس تحلم بحياة ملؤها الحب و الإيمان و السكينة . هبطت الطائرة في مطار دبي ، و معها ، هبطت أحلامي الوردية إلى أرض الواقع المرير !! أجل ...فقد فوجئت بأن زوجي و للأسف الشديد كان على عكس ما تخيّلته تماماً فيما يخص مزاجه و أخلاقه و معاملته !! لن أطيل الوصف في هذا الجانب لكن يكفي أن أقول بأن حياتي كانت معه ألماً و عذاباً و شقاءً و دموعاً ... كنت أحاول أن أتصبّر بالله و أقول في نفسي ربما تكون هذه المحنة تكفيراً عن ذنوبي ، ربما صقلاً لشخصيتي ، لن أفقد ثقتي بالله فهو لن يأتيني إلا بخير إن شاء الله تعالى... فطلبت من زوجي أن يعلّمني الصلاة ففعل ، و ما كان يعرف آنذاك إلا ركعتي الجمعة فقط و لا يصلّي سواهما ، فتعلمتهما و صرت أصلّيهما حين أشعر بالضيق و الغمّ . ثم رحت أتوق للمزيد من الصلاة ، فسألت زوجي عن أوقات الصلوات و عدد الركعات ، فقال لي بأنه لا يعلم ، و لم يشجعني كثيراً على ذلك . لكن روحي الظمأى اشتاقت لتعلّم الصلاة على أصولها ، فمن عساي أن أسأل و أنا في بلاد الغربة و لا أعرف أحداً إلا بعض العائلات من أهل الطائفة ؟! خطر لي أن أذهب إلى المسجد المجاور لبيتنا و أسأل الإمام ، إلا أني خجلت و ما تجرّأت ،و خاصة أني كنت امرأة سافرة !!
لكن حين ينقطع الرجاء يبقى الأمل في رب الأرض و السماء ... رفعت يدي إليه جلّ في علاه و دعوته أن يعلّمني و يهديني و ألححت في الدعاء ، و إذ بالجواب يأتيني بطريقة عجيبة ! فقد كنت في أحد الأيام أنظّف المنزل و أرتّب الأدراج ، و بينما أنا كذلك ، وقعت يدي على بطاقة مكتوب عليها بعض الآيات القرآنية ، و على خلف البطاقة مكتوب ما يلي : صلاة الصبح ركعتان . صلاة الظهر أربع ركعات ...... الخ !
طبعاً قد يكون أحد الأشخاص قد أعطاها لزوجي فوضعها في الدّرج و نسيها ، لكني فرحت بترتيب رب العالمين كثيراً ، و لم أكد أصدّق عيوني ! فتعلّمت الصلاة و بدأت أواظب عليها .
كنت أستمتع بالصلاة كثيراً ، إلا أن صلاتي كانت من غير وضوء ! فما كنت أعرف كيف يتوضّأون ! فكنت أدخل إلى الحمام قبل موعد الصلاة و أغتسل بشكل عشوائي ثم أصلّي . استمرّيت هكذا لفترة من الزمن ثم بدأت الشكوك تساورني في صحة صلاتي و شعرت بضرورة تعلّم الوضوء . لكن أنّى لي هذا ؟ و من سيعلّمني ؟!
سيعلّمني الأحد الصّمد ، العليم الخبير ! ففي أحد الأيام عاد زوجي من العمل و بيده جريدة ، و أخبرني أن وزارة التربية تعلن عن حاجتها لمدرسين و مدرسات من شتى الاختصاصات ، و راح يشجعني للتقدّم لأن هكذا فرصة قد لا تعوّض ، فوافقت على فكرته و قدّمت طلباتي و بدأت أستعد لفحص المسابقة ، كان زوجي يشجّعني كثيراً لمصلحتي و لمصلحته تبعاً ! فأخبرني بأن لديه معارف في منطقة " خورفكان " حيث تعمل الزوجة هناك كمدرّسة و تستطيع أن تنفعني و تساعدني . فانطلقنا لزيارتهم ، و قامت السيدة بإحضار كل ما عندها من كتب تخص طرائق التدريس، و بعد أن انتهت الزيارة أخذنا الكتب و رجعنا إلى المنزل . و هناك ، جلست في الصالة أتصفّح الكتب و أطّلع عليها و إذ بورقة مطوية موجودة ضمن أحد الكتب لفتت انتباهي ، أخذت الورقة و فتحتها ، و إذ بكلمات مكتوبة بخط السيدة و بالقلم الرصاص : ( طريقة الوضوء : المضمضة ثلاث ، الاستنشاق ثلاث ....الخ) !!!
فسبحان الله ، و الحمد لله ، و لا إله إلا الله ، و الله أكبر . أخبرت زوجي بما يحصل و علّمته مما علّمني ربي . و سبحان الله ، فقد كان يخاف الله برغم كل ما يُظهر من سوء ، و كان يتقبّل مني ما يتعلّق بأمور الدين و إن كان يجادل و يعاند في البداية !
كل شيء كان على ما يرام فيما يخص عبادتي ما عدا أمراً واحداً كان يريبني و يقلقني ، إذ كانت تأتيني وساوس شيطانية و نفسانية حين كنت أتشهّد في الصلاة و أقول : " أشهد الاّ إله إلا الله و أشهد أن محمداّ رسول الله "! فالملّة التي كنت أنتمي إليها كانت تشكك في نبوّة سيدنا محمد صلى الله عليه و سلّم ، و تثير حوله الشبهات و لا حول و لا قوة إلا بالله !
هذا الأمر كان يعذّبني و يؤرقني ، فكنت أستيقظ في جوف الليل أو قبل الفجر لأدعو الله أن يبصرني و يهديني ...
فو الله الذي لا إله إلا هو ، ما هي إلا أيام حتى حدث أمر غريب ، فقد زارنا صديق زوجي الذي كان يؤثّر عليه سابقاً و يأخذه إلى المسجد لحضور خطبة و صلاة الجمعة ، جاء ليبارك لنا في زواجنا و أحضر معه هدية ، كانت الهدية عبارة عن شيئين اثنين : مسجّلة ، و كتاب : ( سيرة رسول الله ) !!
أخذت الكتاب بقوة و بلهفة ، و قرأته و سهرت عليه حتى الثانية صباحاً و لم اتركه حتى أنهيته ، أنهيته و الدموع تنهمر من عيوني ثم قلت: ( أشهد ألاّ إله إلا الله و أشهد أنّ محمّداً رسول الله ) . و من ذاك اليوم صرت متيّمة في كل ما يتعلّق بأمور الدين الإسلامي ، صرت أتابع البرامج الدينية في التلفاز بشكل دائم ، أستمع لكلام المشائخ و أتعلّم منهم و أقارن بين ما يقولونه و بين ما كنت عليه سابقاً ، و بدأت أهدم القديم البالي و أبني الجديد السامي . صرت مولعة بسماع القرآن ، و أفضّله على الأغاني و المعازف من قبل أن أعرف أنها محرّمة !
و الجدير بالذكر ،أني كنت أعلّم زوجي بكل ما أتعلمه لأنه ما كان يملك الوقت الكافي لمشاهدة البرامج بسبب دوامه الطويل و الصعب ، فكان يستمع إلي و كلّه آذان صاغية ، و يوماً بعد يوم بدأ زوجي يتغير نحو الأفضل في أقواله و أفعاله و أخلاقه و معاملته لي و للآخرين ، إلى أن وصلنا بفضل الله تعالى إلى مرحلة من التآلف و الصداقة حسدت نفسي عليها !
حتى في الأمور الدنيوية صار التوفيق حليفنا ، إذ قُبلت في سلك التدريس و تعيّنت بمدرسة من أفضل مدارس دبي من حيث الإدارة و الكادر التدريسي و غيره، و سكنا في بيت جميل و رخيص نسبياً وقريب من مدرستي ، ثم حصلت على رخصة قيادة و اشتريت سيارة ، و بدأ زوجي يرتقي في عمله وتتيسّر أمورنا عامة و لله الحمد . أما من الناحية الإجتماعية فكانت علاقتنا طيبة مع الجميع ، طبعاً ما كنّا نظهر لهم إسلامنا اتقاءً للمشاكل ، و لكنا كنا نتناقش معهم حين تسنح لنا الفرصة في بعض الأمور التي تخص جانب العقيدة و نبيّن لهم حقيقة الإسلام بأسلوب غير مباشر ، و بذلك كنا نتعايش بسلام مع المعارف في الإمارات و مع الأهل و الأقارب في سوريا أثناء الإجازات . لكن ! شاء الله تعالى أن يختبر إيماننا ليعلم أنعبده في الشدة و الضرّاء كما نعبده في الرّخاء و السراّء ! أنثبت عند المحن كما ثبت الصحابة الكرام ! ؟ إذ يقول الله سبحانه و تعالى في سورة آل عمران :
( إن يمسسكم قرح فقد مسّ القوم قرح مثله و تلك الأيام نداولها بين الناس و ليعلم الله الذين آمنوا و يتخذ منكم شهداء و الله لا يحب الظالمين * و ليمحّص الله الذين آمنوا و يمحق الكافرين * أم حسبتم أن تدخلوا الجنّة و لمّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم و يعلم الصّابرين * ) . فالذي حصل أني قد بدأت أزداد إيماناً و التزاماً حين باشرت عملي في مدرستي ، فكل ما حولي كان يعزز ذلك : الحجاب كان ضرورياً و له جزء من درجة التقرير، و المواد التدريسية لا بد من ربطها ببعضها و بالتربية الإسلامية ، و المحاضرات الدينية كانت تُقام في المدرسة عند بعض المناسبات الدينية كرمضان أو ليلة الإسراء و المعراج و غيرها ، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر كانا مستمرّان ، بالإضافة إلى توزيع الكتب و الأشرطة الدينية على مدار السنة . ثم ازداد التزامي أكثر و أكثر بتعيين أمينة مكتبة جديدة في المدرسة ، و قد كانت سيدة إماراتية قمّة في الالتزام و التدين و النشاط الدعوي ، هذه الإنسانة كان لها التأثير على معظم المدرسات بشكل عام و عليّ بشكل خاص ! فقد أحبّتني كثيراً و أحببتها أكثر في الله ، ما كنت أترك فرصة إلا و أذهب إليها في المكتبة نجلس معاً نذكر الله و نستمع معاً إلى بعض الأشرطة ، و حين لمست مني التعطّش لطلب العلم الشرعي راحت تمدّني بالكتب و الأشرطة الإسلامية ، و تأخذني لحضور المحاضرات الدينية . و طبعاً ما كانت تعرف شيئاً عن حياتي الخاصة فيما يتعلّق بالدين و المذهب ، و ما أخبرت بذلك أحد . فما حدث أن زوجي بدأ يلاحظ التزامي ، فما عاد الأمر مجرد صلاة الفرائض الخمسة و صيام رمضان فحسب ، بل صار الأمر يتطور و يزداد يوماً بعد يوم ! صار هناك صلاة النوافل و قيام الليل و صيام التطوع ، و الصدقات و قراءة الكتب و سماع الأشرطة و حضور المحاضرات ...و غير ذلك من الأمور الأساسية و الفرعية في الدين التي بدأت أطبقها في حياتي و أدعوه إليها !
هذا الأمر أقلقه و روّعه كثيراً ، و صار يعترضني و يقول لي : " لا تتطرّفي ، إلى أين ستصلين ؟ "
لكني أكّدت له أني لست متطرّفة بل أنا أطبّق فقط دين الله تعالى ، و ذكرت له قوله تعالى في سورة البقرة : ( أفتؤمنون ببعض الكتاب و تكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا و يوم القيامة يُردّون إلى أشدّ العذاب و ما الله بغافل عما تعملون ) . و كنت أعطيه أشرطة متنوعة ليستمع إليها في السيارة في طريقه للعمل ، فكانت تؤثر به هذه الأشرطة كثيراً و تثبته و ترفع معنوياته . و بدأنا ندعو الناس من المعارف من أهل الطائفة هناك حسب ما يتيسّر لنا، و كان منهم من يتقبّل منّا بطريقة أو بأخرى و منهم من يعترض ، و منهم من يقتنع لكنه يخاف من التغيير و ما يصحبه من أذى المجتمع من أهل الملّة . الجدير بالذكر ، أني حتى ذلك الحين كنت لا أزال غير محجبة ! أقصد أني كنت أتحجب في المدرسة أو حين أخرج بمفردي لبعض حاجاتي ، لكن حين كنت أرافق زوجي كنت أرتدي ثياباً و زيّاً مختلفاً تماماً ، فقد كان يمنعني من الحجاب و يعترض عليه بشدة !
و في أحد الأيام ذهبت إلى المكتبة العامة في دبي ، و قد كنت أتردد إليها بأوقات فراغي بهدف المطالعة ، فكتبها كانت مختارة و منتقاة فيما يتماشى مع الشريعة ، أما الكتب الكفرية و الفسقية فما كان لها مكان هناك !
المهم ، قدّر الله تعالى ، و لحاجة معينة ، أن أتعرّف في المكتبة على امرأة شامية متزوجة في الإمارات ولا تتجاوز التاسعة عشر من عمرها و تدرس في كلية الشريعة ! من خلال الحديث معها أخبرتها بأن زوجي يمنعني من الحجاب ، فراحت تجمع لي الأدلة من الكتاب و السنة لتقنعني بوجوب الحجاب و أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق . كان كلامها مؤثراً و بليغاً إلى أقصى حد فعدت إلى المنزل و عزمت على مواجهة زوجي في موضوع الحجاب و فعلت ذلك ، فثار بالبداية و غضب و لكني حاولت إقناعه بشتى الطرق . و حين رأى إصراري وافق و لكن على مضض . تحجبت و كنت سعيدة جداً بحجابي ، و هذا قادني إلى الامتناع عن مصافحة الرجال !
من ذلك الوقت بدأ الأذى لنا ممن حولنا ، فبدأت أتعرض إلى الهمز و اللمز و الامتعاض من المحيطين ، و لكني كنت قد تهيأت نفسياً لمثل هذا و حملت نفسي على الصبر و الثبات ، و كان لي في رسول الله صلى الله عليه و سلّم و الصحابة أسوة حسنة . جاء موعد الإجازة و السفر إلى سورية ، كان ينتابني شعور من القلق و الكآبة و أحس و كأن شيئاً ما سيحدث ، لكني كنت أستعيذ بالله من هذه الوساوس . ثم سافرنا ، و هناك بدأت المأساة ! فأول شيء حدث أن تفاجأ الجميع بحجابي و عدم مصافحتي للرجال من غير المحارم ، و عدم مصافحة زوجي للنساء من غير المحارم مما قادنا إلى مواقف في منتهى الإحراج ! ثم تفاجأوا بزوجي يصلي ! و تيقّنوا من إسلامنا ! فأعلنوا الحرب علينا !!
كنت ألمح الغضب و الامتقاع في وجه زوجي فأحاول تثبيته قائلة :
" و لا تهنوا و لا تحزنوا و أنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين " ، و لكن السخط بدأ يظهر عليه بشكل واضح !
ثم نزلت عند أهلي و ذهب هو لزيارة أقاربه . أما أهلي و أقاربي فقد بدأت النقاشات بيننا تعلو و تستعر ! و وقفوا جميعاً ضدي ! لكني تصبّرت بالله و قلت بنفسي : حسبي الله و نعم الوكيل . يكفيني من البشر زوجي ، فهو معي و يساندني و يقف بجانبي.
لكن زوجي الذي أثق به و أعلّق عليه آمالي كان قد نزل عند أقاربه و استلموه ! فما تركوا وسيلة لصدّه عن سبيل الله إلا اتبعوها ، بالوسوسة و السخرية و التخويف و التهديد و التعنيف ... ثم بالمغريات و الزخرفات الدنيوية بشتى أنواعها من نزهات و أكل و شرب و موسيقا و رقص و نساء كاسيات عاريات !!
فانقلب الرجل على عقبيه و انتكس !! و لا حول و لا قوة إلا بالله !!
ليس ذلك فحسب ، بل راح يغتابني و يبهّتني و يهجوني و يفشي أسراري و يذكرني بالسوء أمام أهله و أهلي ، و يتهمني بالتطرف و التعقيد ! و يشكوني إليهم و يضع كل الحق علي في هذا الأمر و يبرّء نفسه !
اسودت الدنيا في وجهي و ضاقت عليّ بما رحبت ، و شعرت بقمّة الأسى و الألم ، فبكيت بحرقة ، و دعوت الله في جوف الليل و تضرّعت ! ثم غفوت بعد ذلك و إذ بي أرى في المنام أني أقرأ القرآن ، و بينما أنا أقرأ وصلت إلى موضع سجدة فسجدت ، و في سجودي رحت أدعو و أذكر الله ، و إذ ، سبحان الله ، بملائكة كالنور ينزلون من السماء و يجتمعون حولي يريدون أن يأخذوني ، و شعرت بالغبطة و الانشراح العظيم و تابعت قراءة القرآن في منامي و في الحقيقة ! فسمعتني أختي أقرأ و أوقظتني من النوم !
هذه الرؤية ، و لله الحمد و المنّة ، ساهمت في تثبيتي إلى حد كبير !
انتهت الإجازة الحزينة المؤلمة و عدنا إلى الإمارات ثانية ، وكان لا يزال في نفسي شيء من الأمل في أن يعود زوجي إلى إيمانه السالف ، فحاولت أن أكلّمه فرفض أن يسمع مني كلمة واحدة ، و راح يوبّخني بكلمات جارحة !
حاولت أن أعطيه أشرطة معينة فرفضها و رماها جانباً ، ثم منعني من سماع الأشرطة أو قراءة الكتب أو الخروج للمحاضرات ، و طلب مني أن أقطع صلتي بصديقتي أمينة المكتبة ، و حذّرني من أن أصلي أكثر من الفرائض ، أو أن أصوم النوافل ، و طلب مني خلع الحجاب و ارتداء الثياب المغرية ! ثم تراجع قليلاً و سمح لي أن أتحجب و لكن بحجاب يُظهر نصف شعري مع ثياب أنيقة تظهر المفاتن !!
طبعاً أنا رفضت معظم ما قاله ، و سايرته في موضوع الاستزادة في طلب العلم و العبادة مؤقّتاً راجية أن يعود إلى صوابه ! لكنه عاد أسوأ مما كان عليه في بداية زواجنا ، و صار يعاملني معاملة سيئة حين اطمأن أن أهلي ضدي في موضوع الدين ، فقد كان يهاب منهم نوعاً ما و خاصة من والدي !
فكرت بما عساي أن أفعله ، فاتصلت بأحد أصدقائه المسلمين ، و أخبرته باختصار عن انتكاس زوجي ، و طلبت منه أن يقف بجانبه و يحاول إرجاعه إلى إيمانه السابق ، فتحمّس الأخ للموضوع و دعى زوجي إليه ثم كلّمه بأسلوب غير مباشر عن خطر الردّة عن الإسلام ، و ذكّره بالآخرة و بالعقاب و الثواب ! و بذلك استطاع التأثير عليه بعض الشيء !
عدت للدوام في المدرسة بعد فترة انقطاع ، و استقبلتني أمينة المكتبة بحفاوة ، ثم راحت تدعوني لحضور محاضرة في مكان ما ، فاعتذرت منها ... ثم لاحظت التغيير و الكآبة عليّ و أصرّت أن تعرف ما بي ، و لماذا أرفض الذهاب للمحاضرات ! فشعرت أني بحاجة إلى صديقة تحمل عني أعبائي التي أثقلت كاهلي ، فدعوتها إلى زيارتي ، ثم كلمتها عن كل تفاصيل حياتي و عن الأزمة التي أعيشها لكني لم أخبرها عن اسم الطائفة التي كنت أنتمي لها ، فبكت و تعاطفت معي كثيراً و وعدتني أنها لن تتخلى عني أبداً . و في اليوم التالي أحضرت لي كتاباً يتحدث عن الطوائف المنشقّة عن الإسلام و موقف الشرع منها ، فأخذته و قرأت ما كتب فيه عن طائفتي السابقة ، فتفاجأت بأنهم يذكرونهم أحياناً بأشياء غير صحيحة ! ثم صُعقت حين قرأت عبارة : (و لن تُقبل توبتهم ) !!!
يا للهول !! لن تقبل توبتهم ؟! معقول ؟! هذا ظلم !! لماذا ؟! أبَعد هذا كله لن تقبل توبتي ؟!
بكيت و بكيت ... ثم اتصلت بصديقتي و ذكرت لها ما قرأت و طلبت منها أن تقطع صلتها بي ! فقد كنت شبه محطّمة وقتها !!
كادت المسكينة أن تجنّ ! و بكت لبكائي ،ثم اتصلت بي بعد نصف ساعة ، و قالت لي : " أختاه ، لقد اتصلت للتوّ بمركز الدعوة و الإرشاد في دبي و التابع للمملكة العربية السعودية ، و أخبرتهم عنك ففرحوا كثيراً بإسلامك ، و بنفس الوقت غضبوا لما هو مكتوب في هذا الكتاب كثيراً ! و قالوا أنه غير صحيح ، فباب التوبة مفتوح لكل الناس ما لم تغرغر الروح أو تطلع الشمس من مغربها !! فأبشري أختاه !! و يقول لك الشيخ أن تكلّميه في مركز الدعوة لتسمعيه بنفسك "
فاتصلت بالشيخ و راح يؤاسيني و يرفع معنوياتي و يثبتني بكلماته ، و عرض عليّ أن يرسل لي مجموعة من الكتب إلى أي عنوان قريب . فشكرته كثيراً و قلت له أنه لا يوجد عندي عنوان بريد إلا عنوان زوجي ، و هذا مُحال ! لكني سأحاول أن أجد وسيلة لجلب الكتب إن تمكّن لي ذلك .
بعد بضعة أيام اتصلت بي صديقتي أمينة المكتبة و أخبرتني أنها اتصلت بأحد الشيوخ الثقات فأخبرها بضرورة إشهار إسلامي !
فوافقت على ما قاله الشيخ ، و ذهبت برفقتها و دون علم زوجي إلى مركز الدعوة و الإرشاد ، و التقيت بالشيخ الذي كان قد كلّمني بموضوع الكتب سابقاً ، و هو نائب مدير المركز و سعودي الجنسية ، فأشهرت إسلامي بعد أن كلمني عن بعض القضايا التي تخص الدين ، و أعطاني شهادة إشهار الإسلام و مجموعة كبيرة من الكتب و الأشرطة . و عدت إلى المنزل و كأني قد وُلدت من جديد ، اغتسلت بنية الإسلام و شعرت براحة نفسية عارمة . بعد بضعة أيام دعتني صديقتي أمينة المكتبة إلى زيارتها فذهبت بعد أن أخذت موافقة زوجي . و إذ بها تخبرني بأن الشيخ قد قال لها بضرورة إشهار زوجي لإسلامه ! (1) و إلا فأنا لا أحلّ له !! ثم جعلتني أكلّمه بنفسي كي أسمع الجواب و رأي الشرع من ذلك . فاستصعبت الأمر عليّ كثيراً ، و عدت إلى المنزل و الهمّ يملؤني ، كيف سأفاتحه بالموضوع ؟!
حاولت أن أتلطف إليه ، و حين شعرت بأن مزاجه رائق كلّمته بالموضوع ! فما إن سمع ذلك حتى ثار و غضب ، و صار يزبد و يرعد ، و هددني بإخبار والدي !!
عندها ، جمعت قواي و كلمته بحزم و شدة ، و قلت له :
" اسمعني جيداً ، قد صبرت عليك كثيراً و احتملت منك الكثير ، ليس لضعفي أو لذلي ، و لكني أطيع الله في الصبر عليك ...و إن لم تشهر إسلامك ، فأنت لا تحل ّ لي "
قال : "ماذا تقصدين "
قلت " " الطلاق و هذا من حقي ! "
عندما سمع مني هذا هدأ و سكن ، و وافق على إشهار إسلامه . فقد كان يحبني كثيراً برغم كل ما يفعله معي .
أشهر إسلامه ، و لكن هذا لم يغير شيء في أخلاقه أو سلوكه أو معاملته بل حتى في إيمانه ! فقد كانت قناعته أن يؤدي الفرائض فحسب و لا يزيد عن ذلك قيد أنملة ، و كل شيء أكثر من ذلك في رأيه هو عبارة عن ( تطرّف ) ... و بذلك لا يهمّه أن يجلس مع أقوام يشربون الخمر و يرقصون و يختلطون رجالاً و نساء دون أن ينكر عليهم ذلك .
و كانت قناعته أن لو رزقنا الله بأولاد فليس لنا أن نربيهم على الإسلام بل نتركهم يختارون الطريق الذي يريدون !
كانت قناعته ألا يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر ، و يعارض موضوع الدعوة !
و كان يرفض موضوع سكننا في منطقة مسلمين في حال عدنا إلى سورية!
عندها شعرت بالخطر على ديني معه ، و خفت من الفتنة !
فقد كنت أصبر على طبعه و سوء أخلاقه و معاملته فقط لأنه صار مسلماً ! و لكن بعد أن لمست هذا الضعف في إيمانه و التذبذب في عقيدته ! انعدمت المحبة نحوه و تلاشت الثقة فيه و سقط من عيني تماماً !
و سقط من عين أهلي كذلك بعد أن عرفوا حقيقته !
ففكرت ، و استخرت ، ثم طلبت الطلاق !
رفض بالبداية ، و حاول أن يُصلح ، لكن وعوده كلها كانت زائفة !
عاودت طلب الطلاق ثانية ، و ألححت عليه ، فوافق أخيراً . تم الطلاق وافترقنا بعد أربع سنوات من حياتنا الزوجية و لا أولاد بيننا و لله الحمد ، ثم انتقلت لأسكن في سكن المدرسات و ما بقي لي سوى الله سبحانه فهو نعم المولى و نعم النصير. بدأت حياة جديدة و مختلفة ، فصحيح أني صرت لوحدي في البلد ، لكن هذه الوحدة هيأت لي جواً لطلب العلم دون أن يعترض طريقي أحد ! فقد تعرفت على أخت شامية في السكن مجازة في حفظ القرآن بسند إلى رسول الله صلى الله عليه و سلّم و على رواية حفص عن عاصم . فقصدتها و طلبت منها أن تعلمني التجويد فوافقت ، و أتقنت تجويد القرآن و بدأت بالحفظ تحت إشرافها ، و بنفس الوقت ، كنت قد اتصلت بشيخ مركز الدعوة و أخبرته بأخباري فأعطاني رقم تليفون إحدى الأخوات الفاضلات و هي إماراتية مجازة في الدراسات الإسلامية و داعية لها نشاطات دعوية معتبرة ، فاتصلت بها و صارت لي نعم الأخت المحبة و الصادقة ، و دعتني لحضور دروس في فقه العبادات لأحد الشيوخ الإماراتيين ، فاستجبت لها و بدأت أتعلم الفقه بأدق تفاصيله ، و كانت الأخت تمدّني بالكتب و الأشرطة عن طريق شيخ مركز الدعوة ، و تبلغني في حال وجود أي محاضرة لأحد الدعاة . و من هنا بدأت رحلتي في طلب العلم على أصوله بعد أن كنت أكتسبه من هنا و هناك و بشكل عشوائي ، و تولّى الشيوخ و الأخت الداعية أمر تعليمي و تربيتي تربية إسلامية على منهج أهل السنة و الجماعة و أهل السلف . بعد شهور من وجودي في السكن ، اتصل بي زوجي السابق و أخبرني بأنه نادم كثيراً على كل ما فعله ، و أنه تاب و يحتاج إلى وجودي معه كثيراً ، و خاصة أننا تعرّفنا على الإسلام معاً . ثم طلب مني أن أرجع إليه !
فكرت بالموضوع و استخرت الله فلم ينشرح صدري لذلك ، بل شعرت بالصدود و النفور منه ، فلطالما وعدني و أخلف ، و عاهدني و غدر ، و خاصمني وفجر ! و تذكرت مواقفه السابقة و قلت : " لا يلدغ المؤمن من جحره مرتين " . كلا ! لن أعود إليه ! و أخبرته برفضي ثم قمت بتغيير رقم جوالي كي لا يعاود الاتصال بي ثانية !
و عندها تذكرت الماضي عندما دعوت الله أن يرزقني بالزوج الصالح الذي يأخذ بيدي إلى الصراط المستقيم . و قلت في نفسي : ( سبحان الله الرزاق الكريم الوهاب ! لقد استجاب دعائي و رزقني بالزوج الذي أخذ بيدي إلى السراط المستقيم ! لكنه ما كان زوجاً صالحاً !! سبحان الله ) ثم قلت : ( أستغفر الله العظيم ... ، فقد يُصلح الله أحواله و يلهمه رشده ، من يدري ؟؟!! ) .
ثم مرت الأيام و سمعت من بعض المقرّبين بأنه تأزّم نفسياً و عانى كثيراً بعد انفصالنا ، و أنه قد عاد للتدين و الالتزام و يبحث بعناء عن زوجة متدينة . ثم سمعت بعد سنة أو أكثر بأنه قد تزوج من فتاة من بنات الطائفة و لكنها و أهلها كانوا قد أسلموا من سنين . فعلمت حينها أنه إنسان صالح ، و لكن صلاحه قد ثبت مع امرأة أخرى غيري و ليس معي ، فسبحان الله اللطيف الخبير !
عدت لمواصلة طريقي في طلب العلم و العبادة و الدعوة ، فقد بدأت أدعو إلى الله بعد أن تعلّمت العلم الصحيح ، و بدأت أعلّم التجويد لبضعة بنات من السكن . و شاء الله تعالى أن أتعرف على إنسانة أردنية شاركتني غرفتي لمدة شهرين ثم غادرت السكن بعد مجيء زوجها لتسكن معه ، هذه الإنسانة كانت نادرة الوجود بصدقها و طيبة قلبها و التزامها . أخبرتها بقصتي فصارت لي أختاً و صديقة ، بل توأماً لروحي ، وكانت متزوجة من إمام مسجد و شيخ داعية لا يقل عنها أخلاقاً و تديناً ، فوجدت منهما النخوة و الشهامة و وقفوا بجانبي لأبعد الحدود حتى شعرت معهم و كأني بين أهلي . بالإضافة طبعاً لزميلاتي في المدرسة و السكن و مشائخي الكرام . هذا كله من رحمة الله تعالى بي ، (فمن ترك شيئاً لله عوضه الله بخير منه ) . و هكذا استمرت حياتي ما بين الإمارات في أيام الدوام المدرسي ، و بين سورية في فترة الإجازات ، و كنت أحاول أن أئتلف قلوب أهلي و أقاربي و أدعوهم إلى الإسلام ، فكنت أمدّهم بالكتب و الأشرطة و يدور بيننا نقاشات كثيرة ، لكن النتائج لم تكن مرضية تماماً ، كنت أخاف عليهم و أشفق عليهم ، و يحترق قلبي لأن يستجيبوا و يسلموا ، و خاصة والدي المريض ، فقد حاولت دعوته بشتى الطرق ، لكنه كان متأثراً بكتب المذهب كثيراً ، و بعد سلسلة طويلة من الاجتهادات ، بدأ يغير شيئاً من عقيدته في توحيد الله بكل معنى الكلمة و في الإيمان بالرسل ، و قد سمعته يوماً يقول : " أشهد ألا إله إلا الله و أشهد أن محمداً رسول الله " و كان هذا إنجازاً رائعاً و خطوة معتبرة . سافرت إلى دبي و ما هي إلا أشهر حتى توفي ! رحمة الله عليه . بعد أن توفي والدي بدأت أمي تلحّ علي بان أترك الإمارات و أعود إلى سورية بشكل نهائي ، لكني رفضت خوفاً على ديني من الفتنة ! و كذلك لشعوري بالغربة القاتلة بينهم ! فسبحان الله ، بدأت أشعر أن رابطة الدين أقوى و أمتن بكثير من رابطة الدم . و الغربة هي غربة الروح لا غربة الجسد . و رفضت كذلك لأني أردت متابعة طريقي في طلب العلم فدروس الفقه ما كانت قد انتهت بعد ... فلم أطعهم و سافرت. لكن السؤال الذي كان يطرح نفسه دائماً هو :
إلى متى سأبقى في الإمارات ؟!
تلك البلاد الجميلة الرائعة التي عشقت هواءها و ترابها و شوارعها و مساجدها و مدارسها و مبانيها الشامخة و حدائقها الخضراء و بحرها و حضارتها ، و رقيّها !! تلك البلاد التي وُلدت فيها من جديد دينياً و عقائدياً و فكرياً و نفسياً !! كم سأبقى فيها ؟! فمهما طال بقائي لا بد لي من الرحيل منها بمجرد انتهاء إقامتي و عملي !
فالتفكير بمصيري كان يؤرقني و يقلقني ! لكني كنت أتوكل على الله و أقول لنفسي : إن الذي هداني و أوصلني إلى هذه المرحلة لن يضيعني إن شاء الله تعالى . و حين كان الكرب يشتد علي ، كان الله جل جلاله يكرمني ببعض الرؤى الجميلة التي كانت تؤنسني و ترفع معنوياتي ، كرؤية النبي صلى الله عليه و سلّم ، و رؤية الأنبياء عليهم السلام ، و رؤية الكعبة ....و غير ذلك . بعد مضي ثلاث سنوات على وجودي في السكن ، بدأت الضغوطات تأتيني من قبل الأهل يلحّون علي لتقديم إستقالتي من الإمارات و العودة إلى سورية ، فمن وجهة نظرهم ، كان بقائي لوحدي في بلاد الغربة غير منطقي ، و خاصة أني قد انفصلت عن زوجي ! و لست مضطرة إلى ذلك لأن أحوال الأهل المادية جيدة و الحمد لله ! و راحت أمي تتصل بي يومياً و تلح علي بالرجوع !
فكرت بالموضوع و بدأت أستشير شيوخي بالأمر ، و كانوا على فريقين ، الأول و هم الأكثر عدداً ، حذّروني من الرجوع و قالوا بأن سكني بينهم قد يعرّضني للفتنة و التخلّي عن ثوابتي تدريجياً . و نصحوني بأن أتزوج إنساناً مسلماً ملتزماً و أهجرهم . أما الفريق الثاني فنصحوني بالعودة ، و السكن بينهم و محاولة دعوتهم و الأخذ بأيديهم لإنقاذهم من النار ، فهم أولى الناس بالدعوة ، و طلبوا مني أن أمثّل لهم الإسلام في أقوالي و أفعالي و أخلاقي عسى الله أن يشرح صدورهم و أكون سبباً في هدايتهم ، و ذكروني بالحديث : " لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم " . تملّكتني الحيرة حقيقة فالأمر خطير ! إنه أكبر من أمور الدنيا بكل ما فيها ، بل هو يخص الحياة الأبدية في الآخرة !
فكرت بالرأي الأول ، فقلت ، إن الزواج عند هذه الملة من غير أهل الطائفة هو جريمة عظيمة بالنسبة لهم ! وكانوا في السابق يقتلون من يفعل ذلكّ، أما حالياً فقد تغيّر معظمهم و صاروا يكتفون بهجر الفاعل و التبرؤ منه !
ثم سألت نفسي :
" هل يا ترى أقوى على هجر أهلي و عائلتي و ذويّ ؟! هل أحتمل البعد نهائياً عن الأطفال عيال أخواتي الذين أحبهم حباً جماً ؟!
هل أستطيع أن أحرم نفسي من دخول منزل أهلي و أخواتي إلى الأبد ؟!
ياله من أمر يدمي القلب !
لكني تذكرت قول الله تعالى في سورة التوبة : ( قل إن كان آباؤكم و إخوانكم و أزواجكم و عشيرتكم و أموال اقترفتموها و تجارة تخشون كسادها و مساكن ترضونها أحب إليكم من الله و رسوله و جهاد في سبيله فتربّصوا حتى يأتي الله بأمره و الله لا يهدي القوم الفاسقين ) . فقلت إذاً أقتدي بالصحابة و الصحابيات الكرام و أفعل ذلك محتسبة أجري عند الله تعالى !
ففسحت المجال لنفسي لأن أتعرف على بعض من كانوا يتقدمون لخطبتي ضمن الضوابط الشرعية طبعاً ، فقد تقدّم لي العديد بعد انفصالي عن زوجي و معظمهم عن طريق صديقاتي اللاتي أحببنني كثيراً . لكن ما حدث أني ما وجدت المناسب منهم ! بل أني صدمت من مواقف سلبية و تصرفات سيئة من البعض صدمة كبيرة ! و خاصة أنهم كانوا من المسلمين الملتزمين الذين من المفترض أن يكونوا قدوة لغيرهم و يمثّلوا الإسلام في سلوكهم !
حزنت و تأثرت كثيراً و أدركت أن عصر الصحابة و السلف الصالح قد ولّى !! و أن الرجل الذي أريده غير موجود ، فأنّى لي بإنسان يعيش لله و يكون الإسلام عنده هو أهم من أهله و ماله و ولده و نفسه ؟! أنّى لي برجل شجاع لا يخشى في الله لومة لائم ؟!
قد ألتقي به هناك ... في الدار الآخرة إن شاء الله تعالى !
و تراجعت عن فكرة الزواج لأني صرت قلّما أثق بأحد ! و خاصة أن طريق الرجعة إلى أهلي سوف يكون قد أغلق ! فلو تطلّقت مثلاً أو ترمّلت ، فإني سوف أتشرّد !! هذا ، بالإضافة إلى أني جرّبت أن أختبر أهلي لأعرف ردة فعلهم فيما يخص زواجي ، و إذ بهم يقومون و لا يقعدون ! يصيحون و يبكون ! يهددون و يوعدون ! يتوسلون و يترجّون !!
كل هذه الأمور جعلتني أعزف عن هذا الرأي و أتحول إلى الرأي الآخر . و بدأت الاتصالات و المباحثات و المفاوضات مع الأهل و على رأسهم أمي. فوضعت شروطاً متعددة قبل تقديم استقالتي فوافقوا عليها ، و راحت أمي تعدني و تمنّيني و تبدي استعدادها لفعل كل ما يجعلني مرتاحة نفسياً و لو أن تبني لي مسجداً !! فقلت لها أني لا أريد منها أن تبني لي مسجداً و لكني فقط أريد أمن أستقلّ بغرفة خاصة مع حمامها بيرندتها، فوافقت . و راحت تؤكد لي أن الجميع يتقبّلون إسلامي و لن يزعجني منهم أحد قط.
فقدّمت استقالتي آنذاك ، و ودعت الأخوات و الصديقات بدموع غزيرة، و جمعت أشيائي وحاجاتي ، ثم شحنت كتبي و أشرطتي و سافرت ! كان شعوري حينها كشعور المهاجر من ديار الوطن إلى ديار الغربة !
و حين وصلت ، وجدت كل ما حولي يثير الغضب و السخط ! و تفاجأت بأن كل ما سمعته من وعود و أماني و كلمات معسولة من الأهل كان عبارة عن كذب و زيف !!
طبعاً ، أخي و أخواتي كانوا محايدين نوعاً ما ، لكن أمي المتعصّبة و المتشرّبة بمذهبها بدأت تخلّ بعهودها !
فرفضت أن تعطيني غرفة ، و بدأت تعلن الحرب علي !
تألّمت كثيراً و تمنّيت لو أني متّ قبل أن أعود من الإمارات ،و كانت صدمتي فوق التصور !
بكيت و لجأت إلى الله تعالى بالدعاء فشعرت بقوة تدفعني و تحثني أن أقاوم و لا أستسلم !
انتظرت حتى انتهى عرس أخي و استقرّ سكنه في الشقة التي فوق شقّتنا ، ثم سافرت كل واحدة من أخواتي إلى بيتها ، و توجهتُ إلى الغرفة المنشودة ، و أخرجتُ الأثاث منها و بدأتُ بتنظيفها ، و عندما أرادت امي أن تتدخّل ، كلّمتها بحزم و ذكّرتها بوعودها ، و حذرتها بأنها لو اعترضتني فإنها سترى مني فعلاً لن يسرّها أبدا !
فسكتت و تركتني و شأني ، ثم بدأت أؤثث الغرفة على النحو الذي يناسبني ، فاشتريت تلفاز مع " دش " كي أتمكّن من رؤية المحطات الدينية و قنوات الإمارات لأني لا أريدها أن تغيب عن بالي لارتباطها بمخيّلتي بعصر الازدهار ! و اشتريت مكتبة جمعت فيها كتبي و أشرطتي ، و اشتريت كمبيوتر و موبايل كي أبقى على تواصل مع صديقاتي و مشائخي ، و فرشت الغرفة فرشاً عريياً أنيقاً كي أستقبل فيها صديقاتي المسلمات ، و وضعت باباً يفصل بين غرفتي و حمّامي و باقي البيت ، كي تتمكن صديقاتي من الوضوء براحتهن ، و أضفت إلى كل ذلك بعض الكماليات الأخرى ، فوضعت مظلّة على شرفة غرفتي كي تحجبني عن الجيران ، و ملأت الشرفة بالأزهار و النباتات ، كي أحس ببعض الشفافية و الروحانية حين أخرج لأتمشى و أقرأ أذكار الصباح و المساء .و لم أنسى تعليق التقويم كي أتمكن من معرفة مواقيت الصلاة إذ أني لا أسمع الآذان! لأنه لا يوجد إلا مسجداً واحداً في أقصى المدينة ! فالغالبية العظمى من سكان منطقتنا هم من غير المسلمين !
و بذلك استطعت بفضل الله سبحانه و تعالى أن أجعل لنفسي واحة خضراء في قلب الصحراء . ثم انتقلت للخطوة الثانية ، إذ قمت بشراء شقة من الأموال التي جمعتها في دبي و أجّرتها ، و بذلك أمّنت لنفسي مورداً مالياً لا بأس به يغنيني عن حاجة الناس ، و عدت لمواصلة دراستي في الجامعة التي تركتها بعد زواجي و سفري . و كذلك بدأت بمحاولة العودة للعمل في سلك التدريس هنا . و شعرت بأن التدريس سوف يمكنني من أداء رسالة معينة في غرس الهدى و الحق في عقول الطالبات .
أما الخطوة الثالثة و الأهم ، كانت في مبادرتي مباشرةً بالاتصال مع صديقاتي المسلمات اللاتي أعرفهنّ من أيام المعهد و الجامعة . فقد جمعتنا الدنيا في الماضي على أمورها و مشاغلها من دراسة و محاضرات و تدريس و غير ذلك ، و ما كنا نتطرق للحديث في الدين بسبب تعدد الطوائف ! أما في الحاضر فصارت الآخرة تجمعنا ، و حب الله و رسوله و الإسلام يضمّنا ! صرنا نجتمع بشكل دوري كل أسبوع عند واحدة نتدارس القرآن و التفسير و الفقه ، و قمت بنسخ مكتبتي لكل واحدة منهنّ لما فيها من صحّة و مصداقية و بُعد عن البدع و التحريف و التشويه . و أمددتهن بما علّمني ربي من تجويد القرآن و علم على منهج أهل السنة و الجماعة ، و كنّ يتقبّلن ذلك برغبة ، و يجتهدن في العلم و التعليم ، و الصلاح و الإصلاح .
و هكذا تفضّل الله علي سبحانه بتلك الصحبة الحسنة من أخوات فاضلات طيبات تجمع بيننا المحبة الخالصة في الله . طبعاً هذا المسار لم يكن ممهّداً مسهّلاً أمامي ، بل كان مملوءاً بالصعوبات و الأذى من مجتمعي وخاصة من أمي التي كانت تراقب سكناتي و حركاتي ، و لا تفتر عن توبّيخي و الصراخ في وجهي و رميي بألفاظ قاسية جارحة ! فكانت تعترضني في حجابي و الزيّ الذي ألبسه ، و تسخر مني حين تجدني أصلّي ، و تعنّفني حين تراني أجلس في غرفتي أتابع بعض البرامج الدينية ، و تشتعل غضباً عندما أذهب للقاء صديقاتي المسلمات ! في بعض الأحيان كانت تتبع أسلوب آخر في الضغط علي كي تردّني عن ديني ، فتراها تبكي و تتمارض و تقول بأنني أنا سبب مأساتها فإن ماتت فبسببي و بحسرتها علي !
حاولت أن أتصبّر بالله و أثبت ، لكني بصراحة لا أخفي أنني قد مررت بمرحلة عشت فيها بحرب نفسية و كآبة شديدة ! حننت فيها للإمارات و تحرّقت شوقاً للأيام الخالية ! فبغضّ النظر عن اصطدامي مع الأهل و المجتمع ، فقد كانت الفتن تحيط بي من كل جانب ، فالذين أعيش معهم هم أناس لا يصلّون ، لا يصومون ، لا يزكّون ! و أخواتي سافرات متبرجات و على آخر موضة ! بالإضافة إلى المسلسلات و الأفلام و الأغاني و المعازف و الاختلاط ! يعني باختصار ، مسارهم يختلف عن مساري تماماً ، فلا أنا أفهم لغتهم و لا هم يفهمون لغتي !
هذه الأمور اجتمعت علي و جعلتني أشعر لفترة من الفترات بأنني بدأت أفقد من خشوعي في الصلاة ، و أتراجع قليلاً عن شيء من عباداتي ، و أتخلّى عن بعض الأمور التي كنت أتورّع عنها في السابق ، و ضعف توكلي و يقيني قليلاً !
و بالنتيجة ، بدأت أستشعر عقوبة الله تعالى لي لانصرافي عنه بعض الشيء و حيدي عن الصراط الذي هداني إليه بعض الشيء ! فابتُليت بالنسيان ، إذ بدأت أنسى بعض آيات الله و بعض الأحاديث و الآثار . و كذلك استشعرت العقوبة في قلة التوفيق في بعض الأمور ، و كذلك بتوالي المرض و قلة البركة في المال و الوقت !!
عندها جزعت كثيراً ، و أسرعت للدعاء و رددت :
" ربّنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا و هب لنا من لدنك رحمة إنّك أنت الوهّاب ". و طلبت من بعض الصالحين من المشائخ و الصديقات أن يدعوا لي ، ثم غيّرت برنامج نومتي و قومتي ! فصرت أسهر الليل كله حتى الصباح ، ثم أنام في الفترة الصباحية حتى الظهر ، و بذلك تمكّنت من تجنب الاختلاط بمن حولي و اكتفاء شرهم في معظم النهار ،و استطعت أن أهنأ بالفراغ و الهدوء و الوحدة في الليل كي أصلي التهجّد و أقرأ الكتب و أتابع البرامج و أحفظ القرآن و أراجع نفسي دون أن يعترضني أحد !
ثم شاء الله أن تذهب إحدى صديقاتي إلى الحج ، فأوصيتها بالدعاء لي هناك عند الكعبة ، و سبحان الله ، بدأت أموري تُفرج رويداً رويداً ، و بدأ الأهل و الأقارب و المعارف يتقبّلون إسلامي إلى حد ما و لا يزعجونني ، حتى أمي قد هدأت قليلا و لكن ليس بالكلّية !
و بدأت أدعوه الأهل و الأقارب و المعارف إلى الإسلام سواء عن طريق الكتاب و الشريط ، أو عن طريق الحوار و النقاش ، أو بالدعاء لهم . فلاحظت أن منهم من أعرض تماماً و رفض الفكرة ، و منهم من اقتنع بالإسلام و لكنه خاف من المجتمع ، و منهم من كان مذبذباً لا إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء ! لكني ما وجدت أحداً منهم قد استجاب تماماً و بدأ يطبّق الإسلام في حياته بشكل فعلي و للأسف الشديد ! أما الأطفال فكانوا يدخلون غرفتي و يصلون معي فأفرح بهم ثم أجلسهم و أحكي لهم قصص الصالحين و أكلمهم عن الثواب و العقاب بما يتماشى مع عقولهم . و عن الجنة و ما فيها ، فيتأثرون كثيراً و يشتاقون لدخول الجنة و يكونون في قمة الإيمان و الحماس . لكنهم حين يعودون إلى أهليهم و ينخرطون مع الضالين من الناس ، أجدهم قد نسوا كل ما قلته لهم ، و خاصة أن أهاليهم يحدثونهم بأشياء مغايرة لما أحدثهم به ، و خاصة أن أمي تتولى موضوع إضلالهم و هدم كل ما بنيته ! لكن و مع كل ذلك أشعر و أن بذور الإسلام قد دخلت في قلوبهم و استقرت فيها ، و إن شاء الله ستثمر يوماً ما . و هكذا استقرّت أموري نسبيّاً، و عدت بفضل الله تعالى إلى نشاطي السابق في العبادة و طلب العلم و الدعوة بشتى طرقها و اتجاهاته. و صار هدفي في هذه الحياة هو الثبات على الحق في الأيام الباقية من عمري ، و الاستزادة من العلم و العبادات و الطاعات ، و أن يجعلني الله تعالى مفتاح خير مغلاق شر و يستعملني في طاعته حتى ألقاه و هو راض عني سبحانه . و قد أوصيت أن أدفن لوحدي إذا توفّاني الله في إحدى البساتين و المزارع التي يملكها أهلي في الضيعة !
أسأل الله تعالى أن يحسن ختامنا و يتولى أمر ديننا و دنيانا و حياتنا و مماتنا فإنه وليّ ذلك و القادر عليه .

و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيد المرسلين ، سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين . سبحانك اللهم و بحمدك أشهد ألاّ إله إلا انت أستغفرك و أتوب إليك .


* * *

* الزهراء *

---------------------------
(1) الشيخ قد طلب هذا لأن زوجي السابق كان مصرّاً و متمسّكاً بلقب الطائفة برغم أدائه لفرائض الإسلام .



لا تنسو الردود





قصة وعبرة


</TD< tr>

كانت فاطمة جالسة حين استقبلت والدتها جارتها التي قدمت لزيارتها ، كادت الأم تصعق ، وهي ترى ابنتها لا تتحرك من مقعدها فلا تقوم للترحيب معها بالجارة الطيبة الفاضلة التي بادرت – برغم – ذلك إلى بسط يدها لمصافحة فاطمة ، لكن فاطمة تجاهلتها ولم تبسط يدها للجارة الزائرة ، وتركتها لحظات واقفة باسطة يدها أمام ذهول أمها التي لم تملك إلا أن تصرخ فيها : قومي وسلمي على خالتك ، ردت فاطمة بنظرات لا مبالية دون أن تتحرك من مقعدها كأنها لم تسمع كلمات أمها !.

أحست الجارة بحرج شديد تجاه ما فعلته فاطمة ورأت فيها مسا مباشرا بكرامتها ، وإهانة لها ، فطوت يدها الممدودة ، والتفتت تريد العودة إلى بيتها وهي تقول : يبدو أنني زرتكم في وقت غير مناسب!
هنا قفزت فاطمة من مقعدها ، وأمسكت بيد الجارة وقبلت رأسها وهي تقول : سامحيني يا خالة .. فو الله لم أكن أقصد الإساءة إليك ، وأخذت يدها بلطف ورفق ومودة واحترام ، ودعتها لتقعد وهي تقول لها : تعلمين يا خالتي كم أحبك وأحترمك ؟!
نجحت فاطمة في تطيب خاطر الجارة ومسح الألم الذي سببته لها بموقفها الغريب ، غير المفهوم ، بينما أمها تمنع مشاعرها بالغضب من أن تنفجر في وجه ابنتها .
قامت الجارة مودعة ، فقامت فاطمة على الفور ، وهي تمد يدها إليها ، وتمسك بيدها الأخرى يد جارتها اليمنى ، لتمنعها من أن تمتد إليها وهي تقول : ينبغي أن تبقى يدي ممدودة دون أن تمدي يدك إلي لأدرك قبح ما فعلته تجاهك .
لكن الجارة ضمت فاطمة إلى صدرها ، وقبلت رأسها وهي تقول لها : ما عليك يابنتي .. لقد أقسمت إنك ما قصدت الإساءة .
ما إن غادرت الجارة المنزل حتى قالت الأم لفاطمة في غضب مكتوم : مالذي دفعك إلى هذا التصرف ؟ قالت : أعلم أنني سببت لك الحرج يا أمي فسامحيني .
ردت أمها : تمد إليك يدها وتبقين في مقعدك فلا تقفين لتمدي يدك وتصافحيها ؟!
قالت فاطمة : أنت يا أمي تفعلين هذا أيضا ! صاحت أمها : أنا أفعل هذا يافاطمة ؟!
قالت : نعم تفعلينه في الليل والنهار .
ردت أمها في حدة : وماذا أفعل في الليل والنهار ؟ قالت فاطمة : يمد إليك يده فلا تمدين يدك إليه!
صرخت أمها في غضب : من هذا الذي يمد يده إليّ ولا أمد يدي إليه ؟ قالت فاطمة : الله يا أمي .. الله سبحانه يبسط يده إليك في النهار لتتوبي .. ويبسط يده إليك في الليل لتتوبي .. وأنت لاتتوبين .. لاتمدين يدك إليه ، تعاهدينه على التوبه . صمتت الأم ، وقد أذهلها كلام ابنتها .
واصلت فاطمة حديثها : أما حزنت يا أمي حينما لم أمد يدي لمصافحة جارتنا ، وخشيت من أن تهتز الصورة الحسنة التي تحملها عني ؟ أنا يا أمي أحزن كل يوم وأنا أجدك لاتمدين يدك بالتوبة إلى الله سبحانه الذي يبسط يده إليك بالليل والنهار . يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : (( إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها )). رواه مسلم .
فهل رأيت يا أمي : ربنا يبسط إليك يده في كل يوم مرتين ، وأنت تقبضين يدك عنه ، ولا تبسطينها إليه بالتوبة!
اغرورقت عينا الأم بالدموع .
واصلت فاطمة حديثها وقد زادت عذوبته : أخاف عليك يا أمي وأنت لاتصلين ، وأول ما تحاسبين عليه يوم القيامة الصلاة ، وأحزن وأنا أراك تخرجين من البيت دون الخمار الذي أمرك به الله سبحانه ، ألم تحرجي من تصرفي تجاه جارتنا .. أنا يا أمي أحرج أما صديقاتي حين يسألنني عن سفورك ، وتبرجك ، بينما أنا محجبة !.
سالت دموع التوبة مدرارا على خدي الأم ، وشاركتها ابنتها فاندفعت الدموع غزيرة من عينيها ثم قامت إلى أمها التي احتضنتها في حنو بالغ ، وهي تردد : (( تبت إليك يا رب .. تبت إليك يارب.
قال تعالى ( ومن يغفر الذنوب إلا اللـــــه )) لقد رآك الله وأنت تقرأ هذه الكلمات ويرى ما يدور في قلبك الآن وينتظر توبتك فلا يراك حبيبك الله إلا تائبا, خاصة ونحن في شهر فضيل, وموسم كريم, قد غلقت فيه أبواب العذاب وفتحت فيه أبواب الرحمة, وهو فرصة عظيمة للعودة إلى الله, وقد لا تتكرر هذه الفرصة مرة أخرى, فيأتي رمضان وأنت في عداد من قد مات, والله المستعان.
فعسى أن يكون في هذه القصة عبرة لك تكون باب خير للدعوة إلى التوبة إلى الله.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

نقلها
فيصل بن عبدالله العمري




لا تنسو الردود






قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم (7)

الدكتور عثمان قدري مكانسي
</TD< tr>

قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم (1)
قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم (2)
قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم (3)
قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم (4)
قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم (5)
قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم (6)
القصة الحادية والثلاثون
عقوبة العُجب

قال صهيب بن سنان الرومي رضي الله تعالى عنه :
كان المسلمون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتابعون نبيهم صلى الله عليه وسلم في حركاته وسكناته ، وأقواله وأفعاله ، وعلاقته بالصغير والكبير فهو صلى الله عليه وسلم أسوتهم وقدوتهم لا يتركونه في لحظة من لحظات خروجه من بيته إلى أن يعود إليه . بل كانوا يسألون نساءه – أمهات المؤمنين رضي الله عنهنّ- عن حياته صلى الله عليه وسلم في أبياته وبين زوجاته كي يكون المشكاة التي يرون بنورها ، ويتصرفون على هداها .
رآه أصحابه يوم حنين بعد صلاة الفجر يحرك شفتيه بشيء لا يسمعونه .
فقالوا : يا رسول الله رأيناك تحرك شفتيك بشيء لا نفهمه .
قال صلى الله عليه وسلم : ألم نكن في معركتنا مع القوم اثني عشر ألف مقاتل ؟
قالوا بلى ؛ يا رسول الله .
قال : أتدرون لم انكفأتم أول المعركة ، وتركتموني مع ثلة من إخوانكم المؤمنين الذين ثبتوا معي في وجه قبائل هوازن وثقيف وسعد بن بكر وغيرهم ؟
سكت القوم فلم ينبسوا ببنت شفة لأنهم كانوا يعرفون السبب ، فقد رأوا جموعهم – جموع المسلمين - كثيرة وأسلحتهم وافرة ، ورأوا أنفسهم ينتقلون من نصر إلى آخر بفضل الله وحوله ، وكان آخر انتصارات المسلمين ذلك الفتح المبين " فتح مكة " .. فلما التقوا في حنين بهوازن وأحلافها أعجبت المسلمين كثرتـُهم ، واغتروا بقوتهم ، وأنساهم الشيطان أن النصر من عند الله ، فقالوا : لن نُغلب اليوم عن قلة !!
فأراد سبحانه وتعالى أن يعيدهم إلى جادّة الصواب ، إلى التوكل على الله والاعتماد عليه ، فوكلهم إلى أنفسهم أول الأمر ، فضعفوا وهربوا ، فنادى النبي صلى الله عليه وسلم :
أنا النبي لاكذِبْ .... أنا ابن عبد المطلبْ
وأمر عمه العباس أن ينادي المسلمين بصوته الجهوري يحثهم على العودة إلى القتال ، وان يتحلقوا حول بطل الأبطال وسيد الشجعان نبيهم محمد عليه الصلاة والسلام . فناداهم ، وبدأ الذهول ينقشع عنهم ، وآبوا إلى الحبيب المصطفى يقاتلون معه ، ويدفعون عنه ، ويستغفرون الله تعالى أن يقيلهم من زلتهم هذه ، وان يعفو عنهم وينصرهم ، فقد تعلموا الدرس ، وأيقنوا أن نصر الله باللجوء إليه ، واللياذ به سبحانه " ، فحول النصر إليهم والهزيمة إلى عدوّهم ، وأنزل الله تعالى في سورة التوبة يقرر هذا الأمر ، ويصور هذه الحادثة لتكون العبرة َ على مر الدهر "
لقد نصركم الله في مواطن كثيرة " ..
فالنصر من الله وحده ، وبيده سبحانه فقط ...
" ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتُكم .." ومن أعجب بكثرته وقوته رفع الله تعالى يده عنه لأنه تعلق بغير حبل الله تعالى فوكله إلى نفسه .
" 1- فلم تغن عنكم شيئاً ،
2- وضاقت عليكم الأرض بما رحُبتْ ،
3- ثم وليتم مدبرين ،"
وهكذا ضاعوا بداية الأمر لخطئهم الكبير هذا ... فلما أحسوا بهذا الزلل وذلوا لله تعالى ، والتفوا حول نبيهم الكريم صلى الله عليه وسلم وعلموا أن النصر بإذن الله وتوفيقه ، وعلموا أن الله ينصر المؤمنين القلائل على الكفار الكثيرين بتأييد منه سبحانه
" كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله " أعاد إليهم الثبات ووهبهم القوة ، وأيدهم بالملائكة ، فاستراحت نفوسهم وتعلقت بالله سبحانه فكانت الدائرة لهم على عدو الله وعدوهم :
" 1- ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ،
2- وأنزل جنوداً لم تروها ،
3- وعذّب الذين كفروا ، وذلك جزاء الكافرين " .
ثم قالوا : الحمد لله على فضله وكرمه ؛ يا رسول الله ...ولكن ما علاقة هذا بما حركت به شفتيك وكأنك تحدث نفسك .
قال : إن نبياً ممن كان قبلكم نظر إلى قومه فأعجبه كثرتهم وقوتهم . فقال : من يفي لهؤلاء؟ ! ومن يقوم لهم ؟! وظن أن الكثرة والقوة وحدهما كفيلتان بأن تصلا إلى النصر والغَلَبة فقال : لن يروم أحداً هؤلاء بشيء . ولا يقف أمامهم أحد ..
وهذا عجب بالنفس يبعد عن الحقيقة التي يريد المولى سبحانه أن يعلـّمناها ، فنتمسك بها . وكان لا بد من رده وقومه إلى جادة الصواب وإلى الدين القويم . وقد يكون الرد صعباً – بعقوبة - وقد يكون سهلاً – بعفو - وكل ذلك بمشيئة الله تعالى ..
ثم دعا النبي صلى الله عليه وسلم بدعائه المشهور " اللهم ردّنا إلى دينك ردّاً جميلاً " فقد كان الرد لهذا النبي الكريم الذي يحدثنا النبي صلى الله عليه وسلم ، ولقومه قاسياً وعقوبة شديدة .
قال الصحابة : يا رسول الله ؛ فما هي العقوبة ؟

قال صلى الله عليه وسلم : خيـّر الله تعالى ذلك النبي وأصحابه بأمر من ثلاثة أمور :
1- أن يسلط عليهم عدواً شديداً يحتل بلادهم ويستبيحها ، فيأسرهم ويستذلهم .
2- أو أن يعاقبهم بالجوع الشديد .
3- وإما أن يرسل عليهم الموت فيقبض منهم الكثير .
فزع النبي الكريم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام وأصحابه إلى الصلاة والدعاء والاستغفار ، فصلوا ما شاءوا - فمن حزبه أمر فليلجأ إلى الله تعالى يستخيره ويستلهمه - وسألوا الله السداد في الاختيار .
ثم قالوا : لا نصبر على الأولى والثانية ، فما أحد يرضى أن يستذله عدو غاشم ، ولا نصبر على الجوع ، فهو موت بطيء قاتل .
ولكن نختار الموت ، فمصير العباد كلهم إلى الموت .. اللهم هوّن علينا الموت ، وارحمنا إذا ما صرنا إليك ..
قال النبي صلى الله عليه وسلم : فمات منهم في يوم - أو قال ثلاثة أيام - سبعون ألفاً .
أرأيتم كيف فضل الله تعالى أمة محمد عليه الصلاة والسلام ، فخفف عنهم ، ورفع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ؟!
قال النبي صلى الله عليه وسلم : أما أنا فأقول : " اللهم بك أقاتل ، وبك أحاول ، وبك أصاول ، ولا قوة إلا بك " .
فقال أصحابه من بعده : اللهم بك نقاتل ، وبك نحاول ، وبك نصاول ، ولا قوة إلا بك .
وذلت ألسنتهم بها .
حديث صحيح الإسناد

الأحكام الصغرى :537
المهذب : 7/ 3699
موقع الدرر السنية : كلمة ( اللهم بك أقاتل)

________________________________________

قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم
القصة الثانية والثلاثون
أهل الجنة
دكتور عثمان قدري مكانسي

سأل موسى عليه السلام ربه : ما أدنى أهل الجنة ؟
قال سبحانه عز شأنه : هو رجل يجيء ( يخرج من النار حبواً ) بعدما أُدخل أهل الجنةِ الجنة َ، فيُقال له : اُدخلِ الجنة .
فيذهب الرجل يأتيها ، فيخيّل إليه أنها ملأى ، فيرجع فيقول :
يا ربّ وجدتها ملأى ، فقد نزل الناس منازلهم ، وأخذوا أخَذاتِهم .
قال العزيز الكريم : أترضى أن يكون لك مثلُ مُلـْكِ مَلـِكٍ من ملوك الدنيا ؟
فيقول : رضيت ؛ يا رب ، ولكنْ أتسخر بي ، أوَ تضحك بي وأنت الملِكُ ؟
يقول الله تعالى : لك ذلك ،ومِثْلهُ ، ومثلُهُ ومثلهُ ومثلُه ُ.
يقول العبد : رضيتُ ؛ يا ربّ ، رضيتُ، ما أكرمك- ربِّ – وما أوسع فضلَك !
يقول تعالى : هذا لك ، وعشرة أمثاله ، ولك ما اشتهت نفسُك ، ولذ ّتْ عينُك .
يقول العبد : رضيت ربّ ، فلك الحمد ، ولك الشكرُ ، لستُ أهلاً لذلك ، لكنّك أنت الكريم المتفضّل .
قال موسى عليه الصلاة والسلام : هذا أدنى أهل الجنة! ، فمن أعلاهم منزلةً ؛ يا ربّ ؟
يقول تعالى : أولئك الذين أردْتُ إكرامَهم ، غرستُ كرامتهم بيدي ، فأنْميتُها . وختمْتُ عليها ، فلا يراها أحد غيرُهم ، فلم ترَ عينٌ ، ولم تسمعْ أذنٌ ، ولم يخطُرْ على قلب بشر .
كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمعون ما يقصه عليهم سيدهم وحبيبهم المصطفى مندهشين راغبين أن يتقبل الله أعمالهم ، وأن يرفعهم في علـّيـّين .
قال أحدُهم : يا رسول الله ، اذكر لنا واحدة مما أعده الله تعالى للمؤمنين ؟ .
قال عليه الصلاة والسلام : إن للمؤمن في الجنة لَخيمة ًمن لؤلؤة واحدة مجوّفة ، طولها في
السماء ستون ميلاً ، للمؤمن فيها أهلون ، يطوف عليهم المؤمن فلا
يرى بعضُهم بعضاً .
وتورّدتْ وجوه الصحابة الكرام ، كلهم متشوّق إلى هذه الخيمة الرائعة . ، وسألوا الله تعالى أن يرزقهم برحمته ومنّه وكرمه ما أعدّه لعباده الصالحين .
لمـّا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ذلك الشوق أراد ترغيبَهم ، فقال :
إن في الجنة لَشجرةً يسير الراكبُ الجوادَ المضمّرَ السريعَ مئةَ سنةً ما يقطعها .
- دوّى التسبيح والتهليل والتكبير .....
قالوا : يا رسول الله ؛ كيف تكون منازل المقرّبين ؟
قال : إن أهل الجنّة ليتراءَوْن أهل الغرف من فوقهم كما يتراءَون الكوكبَ الدرّيّ الذاهب في أعلى السماء من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم .
قالوا : يا رسول الله ؛ تلك منازل الأنبياء ، لا يبلغها غيرُهم ؟
قال : بلى - والذي نفسي بيده – رجال آمنوا بالله ، وصدّقوا المرسلين .
قالوا : وهل يجتمع أهل الجنة في أماكن محددة وأزمن معلومة يتزاورون فيها ؟
قال : نعم ، إن في الجنة سوقاً يأتونها كل جمعة ، فتهب ريح الشمال ، فتحثو في وجوههم وثيابهم ، فيزدادون حُسناً وجمالاً ، فيرجعون إلى أهليهم ، فيقولون لهم : لقد ازددتُم حسناً وجمالاً . فيقولون : أنتم والله لقد ازددتم بَعدَنا حسناً وجمالاً .
قالوا : يا رسول الله صلى الله عليك وسلم ، زدنا من حديث الجنة ؟.
قال : أتدرون ما يقول الله تعالى لأهل الجنة ؟
قالوا : الله ورسوله أعلم .
قال : إن الله عز وجلّ يقول لأهل الجنة : يا أهل الجنة .
فيقولون : لبيك - يا ربنا - وسعديك ، والخير كله في يديك .
فيقول : هل رضيتم ؟
فيقولون : وما لنا لا نرضى – يا رب - ، وقد أعطيتنا مالم تُعط أحداً من خلقك ؟
فيقول : ألا تريدون أفضل من ذلك ؟.
فيقولون : وأيّ شيء أفضل من ذلك ؟.
فيقول : أُحِلّ عليكم رضواني ، فلا أسخط عليكم بعده أبداً .
فتنطلق ألسنتهم تلهج بالثناء عليه سبحان ، عزّ شأنه .
فيقول : أتريدون شيئاً أزيدكم؟.
فيقولون : يا عظيم الشأن ، يا واهب العطايا ، ويا صاحب الكرم ، ألم تـُبيّض وجوهنا ؟!
أم تدخلنا الجنة ، وتنجّنا من النار ؟! .
فيعطيهم الله عز وجلّ أعظم عطاء يُعطيهم إياه ... إنه سبحانه يكشف الحجاب ، فيرونه
عِياناً ، لا يُضامون في رؤيته .
يقول النبي صلى الله عليه وسلم : فما أُعطُوا شيئاً أحبّّ إليهم من النظر إلى ربهم .

رياض الصالحين
باب المنثورات والمُلح

________________________________________

قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم
القصة الثالثة والثلاثون
موسى والرجل الصالح
دكتور عثمان قدري مكانسي

حدّث أبيّ بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
قام موسى النبي صلى الله عليه وسلم في بني إسرائيل يعلمهم ويرشدهم – وهذا دأب الدعاة في كل زمان ومكان ، فمهمتهم الأخذ بيد الناس إلى طريق الهدى ومنهج النور –
فسُئل : أيّ الناس أعلم يا نبي الله ؟.
وكان عليه السلام يظن أنه أعلم الناس في عصره لأنه كليم الله ورسوله إلى بني إسرائيل
فقال : أنا أعلم الناس .
فعتب الله تعالى عليه إذ لم يردّ العلم إليه سبحانه وكان عليه أن يقول : الله أعلم ، فيكل العلم والمعرفة إلى الله عزّ وجلّ .
فأوحى إليه سبحانه : أن عبداً من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك ....
قال موسى : ربّ ؛ وكيف لي به ؟ وما السبيل إلى لقائه ؟ فقد أحب أن يلتقيه ويتعلم منه .
قيل له : احمل سمكة في سلة ، ثم انطلق بحثاً عن هذا الرجل ، واتجهْ إلى المكان المحدد – بين البحرين – ( عند مصب النهر في البحر ) هناك ستقابله .
فانطلق موسى عليه السلام ومعه فتاه يوشع بن نون – الذي ورثه في النبوّة والدعوة في بني إسرائيل – ويوشع الذي فتح القدس – حتى إذا وصلا المكان وفيه صخرة كبيرة مستوية أحسّا بالتعب ، فوضعا رأسيهما ، وغرقا في نوم عميق . وانسلّ الحوت من المكتل( السلة ) ، واتخذ سبيله في البحر سرباً ( مسلكاً ومنفذاً ) .. حدث هذا الأمر المعجزة وهما نائمان ، فكان أمراً عجباً إذ كانت السمكة مشوية .
انطلقا بعد ذلك سائريْن بقية ليلتهما ويومهما .
فلما أصبح الصباح ، وأسفر وجه النهار قال موسى عليه السلام لفتاه : " آتنا غداءَنا ، لقد لقينا من سفرنا هذا نصَباً " ( تعباً ) . ولم يجد موسى عليه السلام مسّاً من النّصَب حتى جاوزا المكان الذي أمر به وأراد الله تعالى أن يلتقي فيه موسى بالرجل الصالح العالم .
لما طلب موسى عليه السلام الغداء من فتاه – وكان فتاه قد نظر في السلة فلم يجد الحوت – فقال له : " أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة ! فإني نسيتُ الحوت " .
قال له موسى عليه السلام : فذلك ما كنا نبغيه إذ إننا سنلتقي الرجل الذي وُعدنا به في المكان الذي نفقد فيه الحوت . هذا الرجل أعلم مني ، وكنت أود أن أتعلم منه ما يفيدني في الدعوة إلى الله تعالى . هلمّ - يا ولدي - إلى الصخرة فثمّ نراه ....
" فارتدّا على آثارهما قصصاً " وعادا أدراجهما إلى ذلك المكان . فلما وصلا إليها رأيا رجلاً مسجّى ( مغطّى ) بثوبه ، فسلم موسى عليه ، فقال الرجل – واسمه الخَضِرُ - : وأنّى بأرضك السلام؟!
قال له : أنا موسى بن عمران .
قال الخضر : موسى بني إسرائيل؟
قال موسى : نعم . وقص عليه سبب شد الرحال إليه ، وطلب إليه أن يسمح له أن يكون تلميذاً يتعلم منه مما علمه الله تعالى . " هل أتبعك على أن تعلمَن ِ مما عُلـّمْتَ رُشدا ؟ " .
قال الخَضِر : إنك لن تستطيع معي صبراً – يا موسى – إني على علم من علم الله علـّمنيه لا تعلمه أنت ، وأنت على علم علـّمك الله إياه لا أعلمه ، فكل منا على علم اختصه الله به ، لا يعلمه الثاني .إن عِلْمَ الخضر ( لدنّيّ ) وعلم موسى ( شرعي ) . والفرق بينهما بيّن .
قال موسى : " ستجدني إن شاء الله صابراً ، ولا أعصي لك أمراً " وصبْر التلميذ على معلمه مطلب مهم ، ينبغي أن يتحلّى به المريد كي يستفيد من علم معلمه .
عاد يوشع الفتى إلى قومه ، وانطلق النبيان يمشيان على سـِيف البحر ، ليس لهما سفينة ... فمرّت بهما سفينة ، فكلّماهم أن يحملوهما ، فعرف أهل السفينة الخضر ، فحملوهما بغير نَوْلٍ ( أجرة ) ، فجاء عصفور فوقع على حرف السفينة ، فنقر من الماء نقرة أو نقرتين وهكذا يشرب العصفور في البحر – ولعل السفينة كانت في بحيرة طبريا يصب فيها نهر الأردن – وقد تكون بحيرة حلوة غيرها جفـّت على مرّ الأيام ، والله أعلم . ولا ننسَ أن البحر يطلق على النهر والبحيرة كذلك ، دليله قوله تعالى في سورة الفرقان الآية الثالثة والخمسين :" وهو الذي مرج البحرين ، هذا عذب فرات ، وهذا ملح أجاج ..." . فقال الخضر منبهاً موسى عليهما السلام إلى سعة علم الله تعالى : يا موسى ؛ ما علمي وعلمك وعلم المخلوقات إلى علم الله إلا كما شربه العصفور من ماء البحر !!
ثم عمد الخضر في غفلة من أصحاب السفينة إلى لوح من ألواحها ، فنزعه ، ثم نزلا من السفينة قبل أن يشعر أصحابها بما فعل الخضر بها .
قال موسى عليه السلام مستنكراً فعلته : قومٌ حملونا بغير نَول عمدتَ إلى سفينتهم ، فخرقتها لتغرق أهلها ؟! لقد فعلت مفسدة عجيبة لا يستحقونها منك !
قال الخضر عليه السلام : " ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً ! " فأنا أقوم بأعمال ظاهرها مفسدة وحقيقتها عونٌ ، وأنت على جهل بها ، لا تعرف حقيقتها .
قال موسى عليه السلام : قد نسيت فلا تؤاخذني يا أخي الحبيب ،
فقبل الخضر عليه السلام عذره ، وانطلقا في طريقهما ، فإذا غلام يلعب مع الغلمان ، فأخذ الخضر برأسه من أعلاه ، فاقتلع رأسه بيده .
قال موسى عليه السلام محتجاً مرة ثانية : أتقتل الفتى دون جريرة ارتكبها؟! وتزهق نفساً زكية دون سبب ؟ ما هذا المنكر الغريب الذي أتيتَه ؟!
قال الخضر عليه السلام مرة ثانية بأسلوب أشد عتباً من الأولى إذ زاد في قوله ( لك ) " ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً؟! "
فشعر موسى عليه السلام أنه – للمرة الثانية – لم يلتزم بوعد قطعه على نفسه أن يسكت – فقال معتذراً " إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني ، قد بلغتَ من لدنّي عذراً " .
قبل الخضر عليه السلام عذره كرة أخرى، فانطلقا حتى وصلا قرية كبيرة ، سألا أهلها طعاماً ، فكانوا بخلاء ، لم يستجيبوا لهما ، ولم يستضيفوهما . فوجدا جدارً مائلاً يكاد أن ينهدم ، فأومأ الخضر عليه السلام بيده إليه ، فعاد بإذن الله معتدلاً مستوياً !
قال موسى بعدما رأى بخل أهل القرية وإقامة الجدار وأنهما يستحقان أجرة لذلك العمل الإيجابي : " لو شئتَ لاتخذْتَ عليه أجراً " .وكانت هذه هي المرة الثالثة التي يتدخّل فيها موسى عليه السلام بما لا يَعنيه ، وقد كان وعد أن يسكت منتظراً الخضر عليه السلام أن يشرح له ، ويوضح ما التبس على موسى مما يرى حين يجد الوقت ملائماً .

هنا آن للخضر أن يفارقه ، فقد صبر عليه ثلاث مرات ، ولا حرج أن يعتذر إليه وينصرف عنه ، فصرّح له قائلاً " هذا فراق بيني وبينك " ولكنه قبل أن يفارق موسى قص عليه ما استغلق عن الفهم . وهذا ما نجده في سورة الكهف :
أما السفينة فقد خرقها الخضر لأن ملكاً ظالماًً على الطرف الآخر من البحر كان يغتصب السفن الصالحة ، فيضمها إليه ، وكان أصحاب السفينة فقراء ليس لهم عمل سوى هذه السفينة ، يصطادون بها ، وينقلون بها البضائع والركاب ، فلما رأى الملك العيب الذي أحدثه الخضر في السفينة زهد فيها ، وتركها لأصحابها .
وأما الفتى فسوف يكون – في علم الله حين يصير شابّاً – فاسقاً يُتعب والديه المؤمنَين ويرهقهما ، فأراد الله سبحانه أن يعوّضهما خيراً منه زكاة ، وأقرب رحماً ، فرزقهما فتاة صالحة كانت بعدُ زوجة لنبي من أنبياء الله سبحانه .
وأما الجدار الذي أقامه الخضر فقد كان لغلامين يتيمين في المدينة ، وكان تحته كنز لهما خبّأه والدهما الصالح لهما حتى يكبرا ، فأراد سبحانه الرؤوف بعباده أن يبلغا أشدّهما فيستخرجا هذا الكنز – لا يستولي عليه غاصب وهما صغيران – وهذا من فضل الله تعالى ورحمته بهما إكراماً لوالدهما ، فالله يحفظ الأبناء بصلاح الآباء .
وقد أخبرنا الخضر عليه السلام أنه إنما عمل ما عمل بإذن الله ، فهو مأمور .
قال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين المتحلقين حوله يستمعون القصة معتبرين بمواعظها الجليلة : " يرحم الله موسى ؛ لَودِدْنا لو صبر حتى يقص علينا من أمرهما ما استغلق " .

ملاحظة : في موقع" أدباء الشام ، قسم حديث الروح" تأملات تربوية في " قصة موسى والخضر عليهما السلام " تحمل معاني تربوية مفيدة ، يمكن الرجوع إليها .

صحيح البخاري ج1 كتاب العلم
باب/ ما يُستحب للعالم إذا سُئل أي الناس أعلم؟ فيَكـِل العلم إلى خالقه

________________________________________
قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم
القصة الرابعة والثلاثون
يوم لا ينفع مال ولا بنون
دكتور عثمان قدري مكانسي

صلى الأب إماماً بابنه ، فلما سلما ظل الأب جالساً يسبّح الله تعالى ، ويحمده ويكبّره ، ففعل ابنه مثله .... ولمّا شرع الوالد يدعو أصاخ الولد إليه يستمع ويؤمّن على دعائه .
كان يسأل ربه – هذه المرّة - أن يشفـّع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أبيه وأمه وزوجته وبنيه ... فلما انتهى الوالد من الدعاء التفت ابنه إليه ،
وقال : ما المقصود بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته ؟.
الوالد : أن يكون الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الوسيلة إلى رضا الله تعالى عن أمته .
الولد : وهل يشفع فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة ؟
الأب : نعم – يا بني – هو بابنا إلى الله تعالى ، وقائدنا إلى الهدى ، لقد بذل وقته وراحته وماله في الدعوة إلى ربه ، فهو أحرص علينا منا في الدخول إلى الجنة والنجاة من النار .
الابن : نعم - يا أبتاه – فقد وصفه المولى جل شأنه بالحرص على إسعادنا والرحمة بنا فقال في سورة التوبة : " لقد جاءكم رسول من أنفسكم
1- عزيز عليه ما عنتّم ،
2- حريص عليكم ،
3- بالمؤمنين رؤوف رحيم "
الأب : وقد وصف لنا الرسول الكريم ألمه وحزنه حين يـَرِد ُالحوضَ ناسٌ من أمته ، فيستبشر بهم ، ويهمّ بسقايتهم بيده الشريفة ، فتدفعهم الملائكةُ بعيداً ،،،،،،
فيقول : هؤلاء أصحابي !!
فتقول الملائكة : إنهم لم يزالوا مرتدّين منذ فارقْتَهم ، لقد نكصوا على أعقابهم ، وسلكوا طريقاً غير طريقك ، فضلّوا ، فلستَ منهم ، وليسوا منك .
فيستشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال عيسى عليه السلام :
" وكنت شهيداً عليهم ما دمتُ فيهم ،
فلما توفـّيتَني كنتَ أنت الرقيبَ عليهم ،
وأنت على كل شيء شهيد ،
إن تعذبهم فإنهم عبادك ،
وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم "
الابن : فهمت يا والدي أن الشفاعة للمسلمين فقط الذين عصوا ربهم .
الوالد : ليس لهؤلاء فقط يا ولدي ، إنما للمسلمين العاصين جميعاً الذين وجبت لهم النار ، فينقذهم الله منها بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم فيهم . كما أن شفاعته لأهل الجنة في الجنة في رفع درجاتهم ، وإعلاء منزلتهم ، والإسراع بهم إلى الجنة .
الابن : قرأت يا أبي أن إبراهيم عليه السلام يشفع في والده الكافر ، فقد وعده أن يشفع له ، ويستغفر له ، لقد قرأتُ قوله تعالى على لسان نبيه إبراهيم
" قال سأستغفر لك ربي ، إنه كان بي حفيّاً "
وقد قلتَ قبل قليل : إن الشفاعة للمسلمين، فكيف يشفع إبراهيم عليه السلام في أبيه ؟!
قال الأب : صحيح ما قلته يا ولدي ، لكن الله تعالى يأبى أن يقبل الشفاعة في كافر أو منافق ، فقد أعلن في مُحكم آياته حين استغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لكبير المنافقين " ابن سلول " أنه سبحانه لن يغفر لهم " استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ،
إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم "
قال الابن : وهل هناك استثناء لإبراهيم عليه السلام ؟ فقد وعد أباه أن يستغفر له ؟
قال الأب : لقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بحقيقة مايكون في أمر والد إبراهيم عليه السلام حيث " يَلقى إبراهيم أباه آزرَ يوم القيامة ، وعلى وجه آزر قترةٌ وغَبَرة ،
فيقول إبراهيم : ألم أقل لك : لا تعصني ؟
فيقول أبوه : فاليوم لا أعصيك .
فيقول إبراهيم : يا رب إنك وعدْتَني أن لا تخزيَني يوم يبعثون ، فأي خزي أخزى من
أبي المبعدِ من رحمتك وعفوك ؟!
فيقول الله تعالى : إني حرّمتُ الجنة على الكافرين .
وهنا يسكت إبراهيم عليه السلام ، فلقد قضى الله عز وجلّ قضاءَه ، ولا رادّ لقضائه ...
ثم يُقال : يا إبراهيم ؟ ماتحت رجليك ؟ فينظر إبراهيم تحت رجليه فإذا هو أبوه قد انقلب ضبُعاً قذراً ملطّخاً ..... فيُخذ بقوائمه ، فيُلقى في النار .
نسأل الله يا بني أن يتقبلنا في عباده الصالحين ، وأن يمن علينا بالإيمان ، وأن نلقاه وهو راض عنا إنه سميع الدعاء .

صحيح البخاري ج4
كتاب بدء الخلق
باب : قول الله : واتخذ الله إبراهيم خليلاً

________________________________________

قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم
القصة الخامسةُ والثلاثون
لا تُؤذوا رسُل الله
دكتور عثمان قدري مكانسي

جاء رجل من أهل البادية حديث عهد بالمدينة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو يَقسم ذهباً وفضة .
قال : يا محمد ؛ والله لئن كان الله أمرك أن تعدل ماعَدَلْتَ !!!
قال نبي صلى الله عليه وسلم متألماً من افتراء الرجل ووقاحته وغلظته :
ويلك ؛! فمن ذا الذي يعدل عليك بعدي ؟!!!
وفي رواية البخاري والنسائي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال :
بينما النبي صلى الله عليه وسلم يقسم قِسـَماً إذ جاءه ذو الحويصة التميمي ، فقال :
اعدل يا رسول الله ..
فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : ويلك ؛ ومن ذا يعدل إذا لم أعدل ؟!!
فقال عمر رضي الله عنه : إئذنْ لي فأضربَ عنقه .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
دعه، فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة .
( هؤلاء المتنطعون في كل زمان ومكان ذوو القلوب الفارغة والعقول الضعيفة الذي يظنون أنهم على حق ، وليسوا على شيء ) ..
قال أبو سعيد : فنزلت فيهم " 1- ومنهم مَن يلمزك في الصدقات ،
2- فإن أعطوا منها رضُوا ،
3- وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون "
أما ابن مسعود رضي الله عنه فقال :
لما قسم النبي صلى الله عليه وسلم غنائم حُنين سمعت رجلاً يقول :
هذه قسمة ما أريد بها وجهُ الله ....!
فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكرت له ذلك ، فقال :
رحم الله موسى ، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر "
قال الصحابة : يا رسول الله ؛ فكيف آذى اليهودُ نبيهم موسى عليه الصلاة والسلام ؟
قال صلى الله عليه وسلم :
إن موسى كان رجلاً حَيِيّاً سـتـّيراً ، لا يُرى من جـِلده شيء استحياءً منه . فآذاه مَن آذاه من بني إسرائيل ، فقالوا : ما يستتر هذا التستـّرَ إلا من عيب بجلده ، إما بَرَص وإما أُدْرةٌ 0( انتفاخ في الخصية لتسرب سائل فيها ) ، وإما آفة ...
وإن الله أراد أن يبرّئه مما قالوا فيه ، فخلا يوماً وحده ، فوضع ثيابه على الحجر ، ثم اغتسل ، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها ، وإن الحجر عدا بثوبه ، فأخذ موسى عصاه ، وطلب الحجر ، فجعل يقول : ثوبي حجرُ ( يا حجرُ ) ثوبي حجرُ ...
حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل ، فرأوه عُرياناً أحسنَ ما خلق اللهُ .، وأبرأه مما يقولون . وقام الحجر ( توقف) ، فأخذ ثوبه ولبسه .
وطفق بالحجر ضرباً بعصاه ، فوالله إن بالحجر لَنـَدْباً ( أثراً ) من أثر ضربه ، ثلاثاً أو أربعاً او خمساً ، فذلك قوله سبحانه وتعالى :
" يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذَوا موسى ، فبرّأه الله مما قالوا ، وكان عند الله وجيهاً ."

صحيح البخاري / ج4
كتاب بدء الخلق : باب حدثني إسحاق




لا تنسو الردود





من الذي حرك قطعة الجبن الخاصة بي ؟
قصة وراءها قصة

بقلم د. كينيث بلانشارد

إنني أشعر بسعادة بالغة ؛ لأنني سأقدم لكم القصة التي كانت السبب وراء خروج كتاب " من الذي حرك قطعة الجبن الخاصة بي ؟ " إلى حيز الوجود ، وهذا يعني أن الكتاب
الآن أصبح مكتوباً ومتاحا ً للجميع كي يقرؤوه ، ويستمتعوا به ، ويتقاسموا فائدته مع الآخرين
هذا هو الشيء الذي أردت أن يحدث بشدة منذ سمعت سبنسر جونسون لأول مرة ، وهو يتحدث عن قصته العظيمة " الجبن " منذ عدة أعوام قبل أن نشترك أنا وهو في تأليف كتابنا " مدير الدقيقة الواحدة " . أتذكر أنني وقتها شعرت بجمال القصة ، وكيف أنني أستطيع أن أستفيد منها منذ تلك اللحظة ، وما زلت أستفيد منها حتى الآن .
هذا الكتاب عبارة عن قصة ـ تتحدث عن ـ التغيير الذي يحدث داخل متاهة يوجد بها أربعة أشخاص ظرفاء يحاولون البحث عن قطعة " جبن " ، وقطعة الجبن هنا هي رمز لما نريد أن نحصل عليه في حياتنا ، سواء كان وظيفة ، أو إقامة علاقات مع الآخرين ، أو الحصول على المال ،أوعلى منزل كبير ، أو على الحرية ، أو الصحة ، أو الاهتمام ، أو السلام الروحي ، أو أية هواية كلعب الجولف أو التريض .
كل فرد منا لديه تصوره الخاص عن " قطعة الجبن " تلك ، ونحن نحاول البحث عنها، لأننا نؤمن بأن فيها سر سعادتنا ؛ فإذا ما حصلنا عليها ، نتعلق بها ، أما إذا فقدناها ، أو أخذت منا غصباً فسوف نشعر بألم شديد .
أما " المتاهة " في القصة ، فهي ترمز إلى المكان الذي تمضي فيه وقتك بحثاً عن ضالتك المنشودة ، وقد يكون هذا المكان شركة ، أو مجتمعاً تعيش فيه ، أو علاقاتك التي تحظى بها في حياتك .
وكثيراً ما أذكر قصة قطة الجبن هذه في محاضراتي التي ألقيها في كل أرجاء العالم ، وأعرف من كثيرين فيما بعد مدى التأثير الذي أحدثته في حياتهم .
صدق أو لا تصدق ، أن لهذه القصة الفضل في إنقاذ زيجات ووظائف ، بل أرواح و بشر !
ويذكر لنا تشارلي جونز ــ المذيع المشهور بتلفيزيون إن بي سي أحد أمثلة الحياة الواقعية العديدة التي تثبت أن سماعه لهذه القصة قد أنقذ وظيفته ، فوظيفته كمذيع وظيفة فريدة ولكن المبادىء التي استقاها تصلح لأي شخص .
وفيما يلي ما حدث : كان تشارلي يعمل بجد ، وكان بارعاً في إذاعته أحداث ألعاب الأولمبياد وخاصة مسابقات ألعاب القوى ؛ ولذلك انتابته الدهشة ، وانزعج عندما سمع رئيسه في العمل يخبره أنه لن يذيع هذه المباريات الرياضية في الأولمبياد القادمة ؛ حيث تقرر له إذاعة مباريات السباحة والغوص.
ولعدم معرفته العميقة بهاتين الرياضتين ، أصابه الإحباط ، وشعر بأنه غير مرغوب فيه و أصبح غاضباً ، وقال إنه شعر بأن ذلك الأمر غير عادل ! وطغى غضبه على كل شيء ، وأثر على عمله .
عندئذ سمع عن هذه القصة .
وبعد أن قرأها قال إنه ضحك على ما كان يفعل وغير موقفه ؛ حيث أدرك أن رئيسه " قد حرك قطعته من الجبن " ، وهكذا تكيف مع الموقف الجديد وتعلم الرياضتين الجديدتين ، وأثناء تعلمه ، وجد أن القيام بشيء جديد يشعره بصغر السن .
ولم يمر وقت طويل حتى أدرك رئيسه موقفه الجديد وطاقته في العمل ، وسرعان ما تولاى أعمالاً أفضل ، وأصبح يستمتع بنجاح أكبر مما كان عليه .
لقد كانت هذه مجرد قصة واحدة من القصص الحقيقية العديدة التي قد سمعتها عن تأثير هذه القصة على الناس ــ بدءاً بحياتهم العملية وحتى حياتهم الزوجية .
إنني من أشد المؤمنين بهذه القصة ، وقد وزعت منها بالفعل عديداً من النسخ على كل من لاقيت
( أكثر من 200 شخص ) ، ممن يعملون مع شركتنا . لكن لمَ ؟
نظراً لكونها مثل أية شركة لا تبغى البقاء في المستقبل وحسب ، ولكنها تريد البقاء على قدر المنافسة ، فإن شركة بلانشارد للتدريب والتنمية دائمة التغير ؛ حيث يداومون على تحريك " قطعة الجبن " ،
وبينما كنا في الماضي بحاجة إلى موظفين أوفياء ، فإننا اليوم نريد أشخاصاً يتمتعون بالمرونة ، وليسوا متعنتين بشأن الطريقة التي ينفذون بها أعمالهم .
وحتى الآن ، كما تعلمون فالعيش وسط جو من الثبات والركود مع حدوث تغييرات طوال الوقت في العمل والحياة ، يمكن أن يولد الضغط العصبي إذا لم يكن لدى الناس وسيلة للأخذ بالتغيير الذي يساعدهم على فهم ما يدور حولهم ، وإليك قصة الجبن .
عندما رويت القصة للناس ثم طالعوها شعروا ــ كما ستشعر أنت ــ أن سحنة الطاقة السالبة التي كانت في طريقها للخروج قد تلاشت تماماً وقام العديد من الموظفين من مختلف الأقسام في شركتي بتوجيه الشكر إليّ على تقديم هذا الكتاب لهم ، وأخبروني عن مدى استفادتهم من قراءته في رؤية التغيير الذي يحدث بشركتنا بنظرة مختلفة تماماً .
صدقني ، فقد لا تستغرق وقتاً في قراءة تلك الأقصوصة ولكن يمكن أن يكون أثرها عميقاً .
وعندما تتصفح الكتاب ستجد أنه مقسم إلى ثلاثة أجزاء ، ففي الجزء الأول ــ يطلق عليه اسم التجميع ــ تجد مجموعة من الزملاء ممن كانوا معاً في فصل دراسي واحد يجتمعون ويحاولون التحدث عن التغييرات التي طرأت على حياة كل منهم وكيف تعامل معها ، والجزء الثاني هو قلب الكتاب واسمه " من الذ حرك قطعة الجبن الخاصة بي ؟ " أما الجزء الثالث فهو المناقشة ، وهي عبارة عن عدة أشخاص يتناقشون بشأن ما تهدف إليه القصة ، ومغزاها بالنسبة لهم ، وكيف أنهم استخدموها في أعمالهم وحياتهم .
وقد فضل بعض قراء هذا الكتاب ــ الذين اطلعوا عليه قبل أن تتم طباعته الطبعة النهائية ــ أن يتوقفوا عند نهاية القصة دون قراءة المزيد واستجلاء مغزاها لأنفسهم ، واستمتع البعض بقراءة المناقشة ؛ لأنها حفزت تفكيرهم بشأن كيفية تطبيق ما تعلموه في مجابهة ما يقابلهم .
على أية حال ، أتمنى أن تجد في كل مرة تعاود فيها قراءة القصة ، شيئاً جديداً ومفيداً ــ كما أجد أنا ــ وأن تساعدك على التأقلم مع التغيير وتجلب لك النجاح ، مهما كان معناه بالنسبة لك .
آمل أن تستمتع بما تكتشف ، و أتمنى لك حظاً وافراً . تذكر أن تتحرك مع الجبن !

كين بلانشارد
سان دييجو 1998 .

التجمع
شيكاغو

ذات يوم مشمس ، اجتمع في شيكاغو مجموعة من زملاء الدراسة القدامى لتناول الغداء معاً ، وكانوا قد حضروا في الليلة السابقة حفل التخرج بمدرستهم الثانوية ، وأرادوا معرفة المزيد عما حدث لكل منهم ، وبعد قضاء بعض الوقت في المزاح وتناول الطعام اللذيذ الشهي ، خاضوا في حوار شائق .
فقالت أنجيلا ، وقد كانت واحدة من أشهر تلاميذ الفصل ــ : " غن الحياة بالتأكيد قد مضت على نحو مختلف عما كنت آراه عندما كنا بالمدرسة ، فقد تغير الكثير " .
وردد ناثان : " لا شك في ذلك " وكما يعلمون ، فقد عرفوا أنه كان يقوم بإدارة شركة أسرته ــ التي سارت على نفس نهجها ، و أصبحت جزءاً من المجتمع المحلى لمدة طويلة ــ لذلك ، فقد كانوا مندهشين عندما بدا عليه الهم والحزن ، وطرح تساؤلاً : " ولكن ألا ترون كيف أننا لا نبغى التغيير عندما تتغير الأشياء ؟ " .
قال كارلوس : " أعتقد أننا نقاوم التغيير ؛ لأننا نخشاه ؟ .
قال جيسيكا : " لقد كنت قائد فريق كرة القدم يا كارلوس ، ولا أعتقد قط أني سمعتك تذكر أي شيء عن كونك تخاف ! " .
فضج المكان بالضحكات عندما أدركوا أنه على الرغم من اختلاف توجهاتهم ــ من العمل بالمنزل إلى إدارة الشركات ــ ما زالوا يشعرون بنفس الشعور القديم .
لقد كان كل شخص يحاول مجاراة التغييرات غير المتوقعة التي كانت تحدث لهم في السنوات الأخيرة، واعترف الجميع بأنهم لا يعرفون طريقة جيدة للتعامل مع هذه التغييرات .
عندئذ قال مايكل : " لقد اعتدت الخوف من التغيير ، وعندما حدث تغيير هائل في أعمالنا ، لم نعرف كيف نتصرف حياله ؛ ولذا فلم نؤد أي شيء بطريقة مختلفة ، وكنا على وشك الضياع ."
واستدرك قائلاًً : " كان ذلك هو الحال حتى سمعت قصة طريفة غيرت مجرى كل شيء " .
سأل ناثان : " كيف ذلك ؟ " .
" حسناً ، لقد بدلت تلك القصة الطريقة التي أنظر بها إلى التغيير ، وبعد ذلك ، تحسنت الظروف سريعاً ، في عملي وحياتي الشخصية على حد سواء ."
" ثم نقلت هذه القصة إلى بعض الأشخاص الذين يعملون بشركتنا وتناقلوها فيما بينهم ، وسرعان ما تحسن الوضع بالشركة ؛ نظراً لأننا جميعاً انتهجنا سياسة التغيير وغيرنا نظرتنا إليها ، وكما هو الحال معي ، فقد قال العديد من الأشخاص إن هذه القصة ساعدتهم في حياتهم الشخصية " .
وتساءلت انجيلا : " وما هي تلك القصة إذاً ؟ "
قال مايكل : إنها تحمل عنواناً يقول " من الذي حرك قطعة الجبن الخاصة بي ؟ "
وضحك الجميع ، وقال كارلوس : " أعتقد أنني أحب الجبن بالفعل ، هل لك أن تحكي لنا قصتها ؟ "
قال مايكل : " بالتأكيد ، وبكل سرور ؛ فلن يستغرق سردها وقتاً طويلاً "
وهكذا بدأ في سرد القصة :
__________________
القصة

ذات مرة ، ومنذ وقت بعيد في أرض بعيدة ، كان هناك أربع شخصيات صغيرة تجري داخل متاهة بحثاً عن قطعة جبن تطعمها ؛ لتحيا حياة سعيدة .
وكان منها فأران اسمهما " سنيف " و " سكورى " ، واثنان قزمان يماثلان في حجمهما حجم الفأرين ، ولكن تصرفاتهما كانت تشابه كثيراً تصرفات البشر اليوم ، واسماهما " هيم " و " هاو " .
وبفضل حجميهما الصغير كان من السهل عدم ملاحظة ما كان يقوم به هؤلاء الأربعة ، ولكن إذا نظرت إليهما عن كثب ، يمكنك أن تكتشف أكثر الأشياء إثارة للدهشة .
وكان الأشخاص الأربعة يقضون كل يوم وقتاً داخل المتاهة باحثين عن الجبن .
وكان الفأران سنيف و سكورى ــ وهما لا يملكان سوى أسنان قارضة وغريزة قوية ــ يبحثان عن قطعة الجبن اللذيذة التي أحباها كما هو حال جميع الفئران .
أما القزمان ــ هيم وهاو فقد استخدما عقلسهما مع الاستعانة بالعديد من المعتقدات من أجل البحث عن نوع مختلف تماماً من الجبن مميز عن غيره ، وكانا يعتقدان أنه سيجعلهما يشعران بالسعادة والنجاح.
وعلى الرغم من أن هناك اختلافاً بين الفأرين والقزمين ، إلا أنهم جميعاً يشتركون في شيء ما : أن كلاً منهم يقوم كل صباح مرتدياً بدلة العدو وحذاء الجري ، تاركين منازلهم الصغيرة ؛ حيث يبدؤون السباق داخل المتاهة باحثين عن الجبن المفضل لديهم .
كانت المتاهة عبارة ممرات وحجرات يحتوي بعضها على جبن لذيذ ، ولكن كان بها أركان مظلمة وممرات مسودة لا تؤدي إلى شيء ، وكان من السهل أن يضل أي شخص فيها .
وبرغم ذلك ، فمن يجد طريقه داخل هذه المتاهة ، يجد ما يجعله يستمتع بحياة أفضل .
استخدم الفأران ــ سنيف و سكورى ــ طريقة المحاولة و الخطأ البسيطة وغير المجدية للبحث عن قطعة الجبن ، فقد كانا يدخلان أحد الممرات ، و إذا وجداه فارغاً تركاه وانتقلا إلى غيره .
وكان سنيف يشم الجبن باستخدام أنفه الكبير ، وبناءً عليه يحدد الاتجاه الخطأ ، وكثيراً ما ارتطما بالجدران .
وعلى الرغم من ذلك ، فقد استخدم القزمان ــ هيم وهاو ــ طريقة مختلفة تعتمد على قدرتهما على التفكير والتعلم من خبراتهما الماضية ، ولكن كانا في بعض الأحيان يرتبكان بسبب معتقداتهما وعواطفهما .
أخيراً ، اكتشف الجميع ما كانوا يبحثون عنه ، ووجد كل منهم ذات يوم نوع الجبن المفضل لديه في أحد الممرات في " محطة الجبن ج " .
وبعد ذلك تعودت الشخصيات الأربع كل صباح على ارتداء ملابسها والتوجه إلى محطة الجبن " ج" ولم ينقضِِِِِِِِِِِِِ ِ وقت طويل حتى تعود كل منها على هذا الروتين في الوصول إلى قطعة الجبن .
استمر كل من سنيف و سكورى في الاستيقاظ مبكراً كل يوم و الدخول في سباق خلال المتاهة ، وعادة ما كانا يتبعان نفس الطريق .
وحال وصولهما إلى وجهتهما يتخلص الفأران من حذاء العدو ، ويقومان بربط حذائيهما حول رقبتيهما ، حيث يسهل عليهما الوصول إليهما سريعاً عندما يحتاجانهما مرة أخرى ، ثم يستمتعان بالجبن .
وفي البداية ، كان كل من هيم و هاو يقومان بالتسابق تجاه محطة الجبن " ج " كل صباح ليستمتعا بالطعم اللذيذ لقطعة الجبن التي طال انتظارها .
ولكن بعد فترة ، اتبع القزمان روتيناً مختلفاً .
كان هيم و هاو يستيقظان كل يوم في وقت متأخر ، ويرتديان ملابسهما في بطء ، ويمشيان إلى محطة الجبن " ج " ؛ فقد عرفا مكان الجبن الآن ، وكيف يذهبان إليه .
لم يكن لديهما فكرة عن مصدر الجبن أو من الذي يضعه في مكانه و إنما افتضا وجوده هناك .
و بمجرد وصول هيم و هاو إلى محطة الجبن " ج " كل صباح ، يستقران ويشعران بأنهما في منزلهما ، ويقومان بتعليق ملابسهما وخلع حذائيهما ، وارتداء خفيهما ، وكانا يشعران بالارتياح والاطمئنان في ذلك الوقت ؛ لأنهما وجدا الجبن .
قال هيم " ما أعظم هذا ؛ فها هنا جبن يكفينا مدى الحياة " وشعر القزمان بسعادة غامرة وبنجاح باهر ، واعتقدا أنهما الآن يعيشان في أمان .
لم يمض ِ وقت طويل حتى اعتبر هيم و هاو الجبن الذي وجداه في محطة الجبن " ج " خاصاً بهما . لقد كان بمثابة مخزن الجبن الذي انتقلا في النهاية إلى الإقامة بالقرب منه ، ورسخا نوعاً من الحياة الاجتماعية حوله .
وليشعرا بأنهما في منزلهما ، قاما بتزيين الجدران ببعض الأقاويل ، حتى إنهما قاما برسم صور للجبن لرسم الابتسامة على وجهيهما ، ومن هذه الأقاويل :

امتلاك الجبن يشعرك بالسعادة

في بعض الأحيان ، كان هيم وهاو يقومان باصطحاب أصدقائهما ليروا أكوم الجبن المخزنة لديهما في محطة الجبن " ج " ، ويشيران إليهما بفخر قائلين : " ياله من جبن رائع ، أليس رائعاً ؟ " وكانا يتقاسمان الجبن في بعض الأحيان مع أصدقائهما ، وفي أحيان أخرى لا يقومان بذلك .
وكان هيم يردد " غننا نستحق هذا الجبن ، فقد تعين علينا العمل بالتأكيد لوقت طويل وبجد حتى نحصل عليه " ثم يلتقط قطعة طازجة ويلتهمها .
وبعد ذلك ، يستسلم هيم للنعاس كعادته .
فقد كانا يعودان كل يوم إلى منزلهما ممتليء المعدة بالجبن ، ويعودان كل صباح بثقة تامة في الحصول على المزيد .
واستمر ذلك لفترة من الزمن .
وبعد مرور بعض الوقت ، تحولت ثقة هيم و هاو إلى تكبر وغطرسة ، وسرعان ما أصبحا واثقين جداً لدرجة أنهما لم يلاحظا ما كان يحدث .
وبمرور الوقت ، استمر سنيف و سكورى في طريقتهما ، فقد كانا يصلان مبكرين كل يوم ويشمان محطة الجبن " ج " ويهولان حولها ويتحسسان المنطقة ؛ ليريا ما غذا كان قد حدث ثمة تغير عن الأمس ، ثم يجلسان و يقضمان الجبن .
وذات صباح ، وصلا إلى محطة الجبن " ج " ليكتشفا عدم وجود الجبن .
لم يندهشا لذلك ؛ حيث إنهما لاحظا ان مورد الجبن كان يتناقص كل يوم ، وكانا مستعدين لذلك المصير الحتمي ، وكانا يعرفان غريزياص ما سيقومان به .
نظرا لبعضهما البعض ، وخلعا نعليهما اللذين كانا قد أحكما ربطهما في عنقيهما و أعادا ارتداءهما وأحكما الرباط .
ولم يغاليا في تحليل ما حدث ن ولم يكونا مكبدين بالمعتقدات المعقدة .
فبالنسبة للفأرين كان كل من المشكلة و الحل بسيطاً ، حيث تغير الموقف في محطة الجبن " ج " ؛ لذا فقد قرر سنيف و سكورى أن يتغيرا .
نظر كلاهما إلى المتاهة ، ورفع ينيف أنفه واشتم ، ثم أشار برأسه إلى سكورى الذي انطلق مهرولاً خلال المتاهة ، بينما تبعه سنيف بأقصى سرعة يتحملها .
وانطلقا سريعاً بحثاً عن جبن جديد .
وفي وقت متأخر من نفس اليوم ، وصل هيم و هاو إلى محطة الجبن " ج " لم يكونا يعيران للتغيرات الطفيفة التي كانت تحدث كل يوم اهتماماً ؛ لذا فقد اعتبرا وجود الجبن هناك أمراً مسلماً به .
ولم يكونا مهيئين لما وجدا .
صاح هيم : " ماذا ! ألا يوجد جبن ؟ " . واستمر في صياحه : " ألا يوجد جبن ؟ ألا يوجد جبن ؟ " وكأنه عندما يصيح بصوت عالٍ سيأتي شخص ما ويعيد لهما الجبن .
و أخذ يصرخ قائلاً : " من الذي حرَك قطعة الجبن الخاصة بي ؟ "
و أخيراً ، وضع يديه على فخذيه واحمرَ وجهه وصاح بأعلى صوته : " ليس هذا من العدل ! " .
وكل ما فعله هاو هو أنه حرك رأسه في حالة من عدم التصديق ؛ فلقد اعتمد هو الآخر على وجود الجبن في محطة الجبن " ج " . وتوقف في مكانه لوقت طويل في حالة من الذهول من هول الصدمة؛ فلم يكن مستعداً لهذا .
كان هيم يصرخ ببعض الكلمات ، ولم يكن هاو بحاجة إلى سماع ما يقوله هيم ؛ فلم يكن يرغب في التعامل مع ما واجهه ؛ ولذا فقد أطاح بكل شيء .
لم يكن تصرف القزمين لائقاً أو منتجاً ، ولكنه كان مفهوماً .
فالعثور على الجبن لم يكن بالأمر اليسير ، وكان يتطلب عملاً من جانب القزمين أعظم من مجرد الحصول على كم كاف من الجبن كل يوم .
فالعثور على الجبن كان بالنسبة للقزمين هو السبيل الذي اعتقد أنه هو كل ما يحتاجانه للوصول إلى السعادة ، حيث كان ما يرونه عن مدى أهمية الجبن لهما يقف عند طعمه اللذيذ .
فلأحدهما ، كان العثور على الجبن مجرد شيء مادي ، أما الآخر فقد كان يعني له الاستمتاع بصحة جيدة أو الوصول إلى الإحساس بوجوده.
بالنسبة لهاو ، كان الجبن يعني مجرد الإحساس بالأمان والشعور بأنه ذات يوم سينعم ببناء أسرة سعيدة مع العيش في كوخ يملؤه الدفء .
اما هيم فالجبن عنده أصبح يعني الإحساس بالمسؤولية تجاه الىخرين ، مع امتلاك منزل كبير على أحد المرتفعات .
ونظراً لان للجبن اهمية خاصة عندهما ، فقد أمضى كلاهما وقتاً طويلاً في محارولة اتخاذ قرار بشأن ما يتعين عليهما فعله تجاه ما حدث .
كل ما كانا يفكران في فعله هو التحديق في محطة الجبن " ج " الخالية من الجبن ليتيقنا من حقيقة اختفاء الجبن .
وبينما تحرك سنيف و سكورى سريعاً ،استمر هيم و هاو في الثرثرة و التلعثم .
وصاحا و هذيا بالحديث عن الظلم نتيجة لما حدث ، وبدأ الشعور بالكآبة يسيطر على هو . ما الخطب ، وما عساه يحدث إذا لم يكن هناك جبن بالغد ؟ فقد خطط لمستقبله على أساس وجود الجبن .
لم يصدق القزمان ما حدث . كيف أمكن لهذا أن يحدث ؟ لم يحذرنا أحد ، لم يكن ذلك صحيحاً ، لم تكن هذه هي الطريقة التي يفترض أن تسير بها مجريات الأمور .
وعاد هيم و هاو إلى منزلهما في هذه الليلة جائعين ، مثبطى الهمة ، ولكن قبل المغادرة كتب هاو على الجدار :

كلما كانت قطعة الجبن هامة بالنسبة لك ؛ فأنت في حاجة إلى الاحتفاظ بها رغم ما تواجهه من صعاب .

في اليوم التالي غادر هيم و هاو منزليهما عائدين إلى محطة الجبن " ج " مرة أخرى ، حيث كانا لا يزالان يتوقعان أن يعثرا على قطعتهما من الجبن .
لم يتغير الموقف ، ولم يعد هناك وجود للجبن ، ولم يعرف القزمان كيف يتصرفان حيال ما حدث ووقفا متجمدي الحركة مثل تمثالين صامتين .
أغمض هاو عينيه بقدر المستطاع ووضع يديه على أذنيه . وتمنى لو توقف الزمن ؛ فلم يكن يرغب في معرفة أن مورد الجبن يتضاءل تدريجياً . لقد كان مؤمناً بأنها تحكت فجأة .
قام هيم يتحليل الموقف مرات و مرات ، و أخيراً سيطر عقله المعقد المكتظ بالأفكار الضخمة على ما حدث ، وتساءل : " لماذا قاموا بذلك تجاهي ؟ ، ما الذي يحدث حقاً هنا ؟ " .
وفي النهاية فتح هاو عينيه ، ونظر حوله قائلاً : " بمناسبة ما حدث أين سنيف و سكورى ؟ هل تعتقد أنهما يعرفان شيئاً غير ما نعرف ؟ " .
قال هيم : " ما هو الشيء الذي قد يعرفانه ؟ " .
واستطرد هيم قائلاً : " ما هما إلا مجرد فأرين صغيرين ، ولا يقومان بشيء سوى الاستجابة لما يحدث حولهما ، أما نحن فبشر ونتميز عنهما . يجب أن تكون لدينا القدرة على تفسير ما حدث ، وعلاوة على ذلك ، نستحق نصيباً أفضل .
ما كان ينبغي أن يحدث ذلك لنا ، وحتى إذا حدث ، فيجب على اللأقل أن ننعم بشيء من الربح و المكسب " .
و طرح هذا التساؤل : " لمَ لم يتعين أن نجني ربحاً ؟ " .
أجاب هيم : " لأننا ملتزمان " .
و أراد هاو أن يعرف " ملتزمان تجاه أي شيء ؟ "
" إننا ملتزمان تجاه تجاه جنبنا "
تساءل هاو : " لمَ ؟ " .
قال هيم : " لأننا لم نتسبب في هذهخ المشكلة ، بل تسبب فيها شخص آخر ، و يتعين القيام بأي شيء للخروج من هذا الموقف "
و اقترح هاو : " ربما يتعين علينا أن نكف عن تحليل الموقف بصورة مبالغ فيها ، دعنا ندخل المتاهة ولنبحث عن جبن جديد "
قال هيم : " يا إلهي بل سوف أتطرق إلى أعماق هذا الأمر "
وبينما كان يحاول كل من هيم و هاو اتخاذ قرار بشأن تصرفهما حيال ما حدث ، كان سنيف و سكورى قد تغلبا بالفعل على ما حدث و مضيا في طريقهما ، ودخلا المتاهة مارين بجميع ممراتها من أعلى غلى أسفل باحثين عن الجبن في كل محطة جبن يمكن أن يجداها .
و لم يفكرا في أي شيء سوى الحصول على قطعة جبن جديدة .
لم يجدا أي شيء لبعض الوقت حتى ذهبا أخيراً إلى أحد الأماكن بالمتاهة حيث لم يذهبا إليه أبداً : هذا هو محطة الجبن " ن " .
وصرخا مبتهجين ، لقد وجدا ما كانا يبحثان عنه ، مورد كبير للجبن الجديد .
لم يصدقا ناظريهما ، لقد كان أكبر مخزن للجبن يمكن لهما كفأرين رؤيته .
و في ذات الوقت ، كان هيم و هاو لا يزالان في محطة الجبن " ج " يقيمان الموقف و كانا يعانيان من آثار غياب الجبن ، وأصيبا بالإحباط و الغضب ، و بدأ في تبادل عبارات اللوم على ماحدث .
و من لحظة لأخرى كان هاو يفكر في صديقيه الفأرين سنيف و سكورى وستساءل عما إذا كانا قد توصلا إلى أي جبن ، و اعتقد بأنهما يمران بوقت عصيب ، و انهما يعانيان من بعض التشكك و عدم اليقين في تخبطهما داخل المتاهة . ولكنه عرف كذلك أنه كان من الرجح أن يستمر هذا الحال معهما للحظات قليلة .
و كان هاو يتخيل في بعض الأحيان أن سنيف و سكورى قد وجدا جبناً جديداً و أنهما يستمتعان به ، وفكر في مدى روعة دخوله في نوع من المغامرة داخل المتاهة بغية العثور على جبن جديد طازج طازج ، بل كاد يصل في تخيله إلى حد شعورره بطعم هذا الجبن الطازج .
و كلما كان هاو يرى هذه الصورة في مخيلته ( أي أنه وجد جبناً جديداً و أنه يستمتع به ) أكثر وضوحاً ، كان يزيد تخيله لنفسه وهو يغادر محطة الجبن " ج "
و فجأة صاح قائلاً: " فلنذهب بعيداً عن هنا " .
أجاب هيم سريعاً : "كلاَّ، إنني أحب هذا المكان وأشعر فيه بالراحة، وهذا هو ما أعرفه بالإضافة إلى أن المحيط الخارجي محفوظ بالمخاطر " .
رد هاو قائلاً "كلاَّ الأمر ليس كذلك، لقد جرينا من قبل في أماكن عدة داخل المتاهة ويمكننا القيام بذلك مرة أخرى "
قال هيم: لقد أصبحت عجوزاً جداً للدرجة التي لا أقوى فيها على فعل ذلك، وأخشى ألا أكون راغباً في أن أظل الطريق، وتظهر سذاجتى، أترغب أنت في ذلك ؟"
عند هذه المرحلة، عاد شعور الخوف من الفشل ليسيطر على هاو، وتلاشى أمله في العثور على
جبن جديد .
لذا استمر القزمان في عمل نفس الشيء كل يوم؛ يذهبان إلى محطة الجبن "ج"، دون العثور على شيء، ثم يعودان إلى منزليهما محملين بالمخاوف والقلق والإحباط .
حاولا إنكار ما يحدث لهما ولمنهما عانيا من صعوبة في الحصول على قسط وافر من النوم . وضاعت قوتهما في اليوم التالي ، و أصبحا سريعي الغضب .
لم يعد منزلهما المكان الدافيء كما كان ذات مرة ، وعانيا من صعوبة في النوم ورؤية الكوابيس ليلاً والتي تتعلق بعدم عثورهما على أي جبن .
إلا أن هيم وهاو ظلا يعاودان نفس الشيء بالذهاب إلى محطة الجبن " ج " والانتظار هناك كل يوم .
قال هيم : " إنك تعرف أنه إذا ما عملنا بجد أكثر مما نحن عليه ، ستجد أنه لا شيء قد تغير بالفعل فربما تكون قطعة الجبن قريبة من هنا ، وربما يكونون قد أخفوها وحسب خلف الجدار " .
وفي اليوم التالي ، عاد هيم و هاو حاملين أدواتهما . أمسك هيم بالإزميل ( المنحت ) بينما استمر هاو في الطرق باستخدام المطرقة ، حتى أحدثا ثقباً في جدار محطة الجبن " ج " واسترقا البصر ولكن دون جدوى ، فليس هناك جبن .
و أصيبا بخيبة أمل ، ولكنهما أصبحا مؤمنين بقدرتهما على حل المشكلة ؛ لذا أصبحا يبدآن عملهما في وقت مبكرو يستمران لوقت أطول و يعملان بجد أكثر . و لكن بعد مرور بعض الوقت ، كل ما توصلا إليه هو إحداث ثقب كبير في الجدار .
أخذ هاو في إدراك الفارق بين النشاط و الإنتاجية .
قال هيم : " ربما يتعين علينا مجرد الجلوس هنا و انتظار ما قد يحدث . إن عاجلاً أم آجلاً يتعين عليهم ان يعيدوا الجبن " .
أراد هاو أن يؤمن بذلك ، لذا كان يعود غلى المنزل كل يوم ليحصل على قسط من الراحة ثم يعود على مضض مع هيم إلى محطة الجبن " ج " ولكن الجبن لم يظهر أبداً .
و بمرور الوقت أصبح القزمان ضعيفين نتيجة الشعور بالجوع والضغط ، وسيطر التعب و الإرهاق على هاو من مجرد الانتظار حتى يتحسن وضعهما ، و بدا في رؤية حقيقة أنه كلما استمرا طويلاً دون الجبن ، لأصبح وضعهما أكثر سوءاً .
و كان هاو يعرف أنهما قد فقدا كل أمل .
و أخيراً ، بدأ هاو ذات يوم في السخرية من نفسه قائلاً : " هاو انظر إليَ ، فإنني أقوم بنفس الشيء كل يوم مرات و مرات و أتعجب من سبب بقاء الحال على ما هو عليه دون تحسن ، إن لم يكن الأمر يدعو للسخرية فقد يكون مدعاة للمرح " .
لم يكن هاو يرحب بفكرة الجري خلال المتاهة مرة أخرى ؛ لأنه يعرف أنهما سيضلان الطريق وليس لديهما أية فكرة عن مكان وجود الجبن . ولكن كان يتعين عليه الضحك على غبائه عندما أدرك سبب خوفه من القيام بذلك .
و سأله هيم : " أين وضعنا رداء العدو و أحذية الجري " . و أمضيا وقتاً طويلاً حتى وجدا هذه الأشياء ، لأنهما أهملا كل كل شيء طرحاه جانباً عندما عثرا على الجبن في محطة الجبن " ج " ، معتقدين أنهما لن يكونا بحاجة إلى الحذاء والرداء مرة أخرى .
و عندما رأى هيم صديقه يرتدي رداء العدو ، قال : " إنك لن تعاود التخبط داخل المتاهة حقاً ، ألبس كذلك ؟ لم لا تنتظر هنا حتى يعاودا وضع الجبن ؟ "
قال هاو : " لأنك لا تستوعب الموقف ، أنا لم أكن أرغب في رؤيتها أيضاً ، لكنني الآن أدرك أنهم لن يضعوا الجبن القديم مرة ثانية ، لقد كان هذا جبن البارحة ، لقد حان الوقت للبحث عن جبن جديد " .
لكن هيم تساءل : " لكن ماذا لو لم يكن هناك جبن بالخارج ؟ أو حتى إذا كان هناك ، ماذا لو لم نجده؟"
قال هاو : " لست أدري " ، وتساءل هاو محاولاً الإجابة على تلك الأسئلة مراراً و تكراراً ، ثم بدأ يشعر بالخوف الذي أقعده عن الحركة من قبل يتسلل إلى نفسه من جديد .
ثم فكر هاو في العثور على جبن جديد و ما يصاحبه من أحداث طيبة ، فاستجمع رباطة جأشه .
قال هاو : " في بعض الحيان تتغير الأشياء و لا تعود لطبيعتها أبداً و يبدو أننا نمر بشيء مشابه . هذه هي الحياة يا هيم ! فالحياة تسير ، ولابد أن نسير نحن أيضاً " .
ونظر هاو إلى رفيقه الحزين و حاول غقناعه ، لكن خوف هيم تحول إلى غضب عارم منعه من الإنصات لهاو .
ولم يقصد أن يكون وقحاً مع صديقه ، لكنه لم يمنع نفسه من السخرية على حماقتهما .
و بينما استعد هاو للرحيل ، بدأ يشعر بالنشاط فقد علم أنه طالما سخر من نفسه ، فسوف يعاود المسير دون أن ينظر وراء ظهره .
وصاح هاو معلناً : " لقد حان وقت المتاهة ! "
لكن هيم لم يضحك ولم يستجب لهاو .
و التقط هاو قطعة حجر صغيرة حادة ونحت بها على الجدار فكرة عظيمة لهيم كي يتأملها ، وكما اعتاد هاو ، فقد رسم صورة لقطعة جبن حول العبارة ، وتمنى أن يساعد هيم على أن يبتسم ، و ان يخفف من همومه ، و ان يبدأ البحث عن الجبن الجديد ، لكن هيم لم يفعل شيئاً من ذلك .
و كتب هاو في عبارته قائلاً :


إذا لم تتغير ؛ فمن الممكن أن تفنى .

وبعد ذلك اشرأب هاو بعنقه وحدق بنظره في المتاهة ، وفكر في كيفية أنه أدخل نفسه في هذه المحطة الخالية من الجبن .
لقد ظن أنه لايوجد أي جبن في المتاهة أو ربما لن يجده ، وهذه الظنون المخيفة كانت تشل حركته .
و ابتسم هاو ؛ فهو يعرف أن ( هيم ) كان يتساءل في نفسه : " من الذي حرك قطعتي من الجبن ؟ " وتساءل ( هاو ) : " ولماذا لا أنهض و أتحرك مع قطعة الجن حالاً ؟ .
و عندما بدأ في السير داخل المتاهة نظر ( هاو ) للخلف حيث المكان الذي جاء منه فشعر بالرغبة في العودة إليه ، وشعر وكأن شيئاً يدفعه إلى مكانه المألوف ، على الرغم من أنه لم يجد أي جبن لبعض الوقت .
أصبح ( هاو ) أكثر قلقاً ، وتساءل عما إذا كان يريد أن يدخل المتاهة .
وكتب مقولة على الحائط في مستوى رؤيته، وحدق فيها أمامه، ودقق النظر فيها لبعض الوقت:

ماذا تفعل إذا لم تكن خائفاً ؟؟

و أخذ يفكر في هذه العبارة .
إنه يعرف أن قليلاً من الخوف قد يكون مفيداً أحياناً ، و عندما تكون خائفاً فإن الأشياء تتحول للأسوأ إذا لم تفعل شيئاً ، لذا فهو يحثك على التصرف ، ولكنه يكون ضاراص عندما تكون في حالة شديدة من الخوف ، إذ غن هذا يقيدك عن فعل أي شيء .
ونظر عن يمينه إلى الجزء الذي لم يمر به في المتاهة وشعر بالخوف .
وبعد ذلك أخذ نفساً عميقاً ، واتجه نحو اليمين داخل المتاهة واندفع ببطء إلى المجهول .
وبينما كان يحاول أن يجد طريقه ، شعر هاو في البداية بالقلق لأنه ربما انتظر وقتاً طويلاً في محطة الجبن " ج " ــ ولم يتناول أي نوع من الجبن لمدة طويلة مما جعله يشعر بالضعف ، وقد ظل على هذا فترة طويلة مما زاد آلام هذه الرحلة الشاقة داخل المتاهة ، وقرر بأنه إذا سنحت له الفرصة مرة ثانية سوف يتكيف مع التغيير ، وهذا يجعل التعامل مع الأمور أكثر سهولة .
وعندئذ ابتسم هاو ابتسامة خفيفة ، وفكر في أنه " في التأني السلامة " وفي أثناء الأيام التالية : وجد بعضاً من الجبن القليل هنا وهناك ولكنه لم يستمر في ذلك طويلاً ، وتمنى أن يجد جبناً كافياً ليعود ببعض منه إلى هيم لكي يشجعه على الدخول في المتاهة .
ولكن لم يشعر هاو بالثقة الالكافية حتى الآن ، وكان عليه أن يعترف بأنه وجد ذلك مربكاً ومرهقاً في المتاهة ؛ حيث بدت الشياء كلها أمامه وقد تغيرت منذ الفترة الأخيرة التي كان فيها خارج المتاهة .
وعندما كان يعتقد أنه يتقدم في طريقه كان يجد نفسه تائهاً في الدهاليز ، وبدا تقدمه وكأنه يسير خطوتين للأمام وخطوة للخلف ، وكان هذا تحدياً ولكن كان عليه أن يعترف بأن الرجوع للخلف في المتاهة والمطاردة من أجل الجبن لم يكن تقريباً بنفس الدرجة من السوء التي كان يخشاها .
ومع مرور الوقت بدأ و شعر بالدهشة والتساؤل عما إذا كان واقعياً أن يجد قطعة الجبن الجديدة ، وتساءل " هاو " عمّا إذا كان يبالغ في تطلعاته ، وابتسم بعد ذلك ، و أدرك أنه ليس لديه ما يسوغ حلمه في هذا الوقت .
وحين شعر بالإحباط يتسرب إلى نفسه ذكّر نفسه بأن ما كان يعتقد أنه غير مريح ، هو في الواقع أفضل من البقاء في مكان ليس به جبن .
فكان يسعى للتحكم في تصرفاته أكثر من السماح لحدوث أي شيء ، وبعد ذلك ذكّر نفسه بأنه إذا كان سنيف و سكورى قد استطاعا التحرك والاستمرار في سعيهما ؛ فمن الممكن له أن يفعل ذلك .
وعندما أعاد هاو التفكير في الأمور أدرك أن قطعة الجبن التي وجدها في المحطة " ج " لم تختف بين العشية وضحاها كما اعتقد من قبل . إن حجم الجبن كان يصغر شيئاً فشيئاً ، وما تيقى منه أصبح قديماً ولم يعد لها مذاق جديد .
بل ربما بدأت طبقة من العفن تظهر عليه ، على الرغم من أنه لم يلاحظ ذلك ، ولذلك كان عليه أن يعترف أنه لو أراد ذلك ربما أمكنه فهم ما يحدث ولكنه لم يرد .
و أدرك هاو الآن أن التغيير ربما لم يكن ليمثل له مفاجأة لو كان قد شاهد ما كان يحدث طوال الوقت وتوقع هذا التغيير ، وربما كان هذا ما قام به كل من سنيف و سكورى .
وتوقف لأخذ قسط من الراحة ، وكتب على حائط المتاهة :

اشتم رائحة قطعة الجبن من حين لآخر حتى تعرف متى يصيبها العطب .

و بعد مرور فترة بدت طويلة لم يعثر فيها على قطعة الجبن ، وجد هاو نفسه أخيراً أمام محطة جبن بدت مبشرة بالخير ، وحين دلف إلى داخلها، أصيبة بخيبة أمل كبير؛ حيث أنها كانت خاوية .
وحدَّث هاو نفسه قائلاً: "لقد راودنى هذا الشعور بالخواء كثير من قبل". وشعر باليأس قد أطبق عليه. وبدأ هاو يفقد طاقته الجسية، وكان على يقين أنه قد ضل الطريق وأنه هالك لا محالة، وفكّر في أن ينعطف ويعود أدراجه إلى محطة الجبن ج. فلو وصل هناك، ولا يزال هيم موجوداً، فلن يكون وحيداً على الأقل، ثم سأل نفسه مجدداً: "ماذا كنت أفعل لو لم أكن خائفاً؟".
لقد كان يخشى أكثر من أي شيء آخر أن يعترف حتى لنفسه بذلك . فلم يكن دائماً على يقين من الشيء الذي يسبب له شعوراً بالخوف، لكنه الآن ، وفي حالته الهزيلة تلك، أدرك أنه خائفاً؛ لانه لا يريد أن يستمر وحيداً، ولم يعرف هاو بأنه كان يجري؛ لأن أفكاراً مخيفة أثقلت رأسه .
وتساءل هاو عما إذا كان هيم قد تحرك مجدداً أم أنه لم يبرح مكانه بسبب مخاوفه، ثم استرجع في مخيلته الأوقات التي شعر فيها بأنه في أوج نشاطه داخل المتاهة .
هذه الأوقات هي التي كان يتحرك فيها هاو ولا يتوقف عند أي شيء.
وكتب هاو على الحائط، وكان يعلم أن هذه الكتابة ليست تذكيراً بمروره من هذا المكان، بقدر ما هي تذكير له شخصيا :

إن السير في اتجاه جديد يجعلك تعثر على المزيد من الجبن

تطلع هاو إلى الممر المظلم، وأدرك ما اصابه من خوف، ترىمن الذي ينتظره في الطريق، هل سيكون خالياً؟ أو سيكون محفوظاً في المخاطر؟ وبدأ خياله الجامح يصور كله كل الهواجس المفزعة حتى تملكه الذعر الشديد .
ثم سخر من نفسه، فقد أدرك أن هواجسه هذه تزيد الطين بلة، ثم فعل ما كان سيفعله لو لم يكن خائفاً ، واصل المسيره لكن في اتجاه جديد .
وعندما بدأ يجري في اتجاه الممر المظلم، أخذ يبتسم، ولم يدك هاو عندئذٍ أنه وجد غذاء روحه، فقد ألقى بالهموم خلف ظهره، وبدأ يثق فيما ينتظره من مصير،على الرغم من أنه لم يعرف ماذا سيكون.
واندهش هاو، إذا بدأ يستمتع بالأمر أكثر فأكثر، وأخذ يتساءل:"ترى ما الذي يجعلني أشعر بهذه السعادة ؟" " ليس لدي جبن، وال أعرف إلى أين أنا ذاهب ".
وقبل أن يمضي وقت طويل، اكتشف سبب شعورة بتلك السعادة ، وتوقف كي يكتب على الحائط
مره أخرى :

عندما تتحرك متجاوزاً شعورك بالخوف ، ستشعر بالحرية

أدرك أنه وقع أسيراً لهواجسه ن وعندما تحرك في اتجاه جديد ، حرر نفسه من القيد .
الآن ، و الآن فقط ، بدأ يشعر أن نسيماً بارداً أخذ يهب على ذلك الجزء من المتاهة . التقط أنفاساً عميقة و أحس أن الحركة قد أعادت إليه الحياة ، وبعد أن كسر حاجز الخوف ، اكتشف أن الأمر أكثر إمتاعاً مما كان يعتقد من قبل .
ولم يكن هذا الشعور قد راود هاو منذ فترة طويلة ؛ ولهذا السبب كان قد نسى مدى البهجة التي يدخلها على قلبه .
ولكي يجعل الوضع أفضل ، بدأ في رسم صورة من وحي خياله ، ونسج في تلك الصورة حتى أدق التفاصيل الواقعية ، فقد تخيل نفسه جالساً وسط كومة هائلة من أنواع الجبن المفضل لديه ، بدءاً من الشيدر ، و انتهاءً بالبراي ! وتخيل نفسه وهو يأكل ما لذ و طاب منها . استمتع هاو بما رآه ، ثم تخيل كيف أنه يستطيع أن يستمتع بتذوقها جميعاً .
كلما اتضحت صورة ذلك الجبن الجديد داخل عقله ، زادت واقعيتها ، وازداد شعوره بقرب عثوره عليه .
ثم كتب :

عندما تخيلت نفسي وأنا استمتع بالجبن الجديد ، حتى قبل أن أعثر عليه ، وجدت طريقي إليه .

حدّث هاو نفسه قائلاً : " لماذا لم أفعل هذا من قبل ؟ "
بدأ هاو يجري داخل المتاهة ، لكن بقوة و رشاقة أكبر مما مضى ، ولم يمض وقت طويل حتى عثر على محطة الجبن ، وشعر بالسعادة وهو يلحظ قطع جبن جديدة قد وضعت بجانب المدخل .
ولم يكن قد رأى قط في حياته أصناف الجبن تلك ، لكنها بدت له رائعة . تذوقها ، فوجد طعماً طيباً للغاية ، وتناول هاو معظم قطع الجبن الموجودة ، ووضع بعضاً منها في جيبه كي يتناولها فيما بعد، أو ليتقاسمها مع ، وبدأ يستعيد قوته .
دلف هاو إلى محطة الجبن تغمره السعادة والإثارة . لكن ، ولسوء حظه ، وجدها خاوية ، فقد سبقه إليها شخص ما ، لم يترك سوى تلك القطع من الجبن الجديد .
وأدرك أنه لو كان قد عجل الخطى ؛ لوجد كمية كبيرة من الجبن هنا .
وقرر هاو أن يعود أدراجه كي يرى إذا ما كان هيم على استعداد للانضمام إليه .
وبينما هو يقتفي آثار العودة ، توقف وكتب على الحائط :

كلما أسرعت بالتخلص من الجبن القديم ، عثرت على الجبن الجديد .

وبعد فترة نجح هاو في العودة إلى محطة الجبن " ج " ووجد عندها هيم ، وعرض على هيم تناول بعض قطع الجبن الجديدة ، لكن الأخير رفض العرض .
وشكر هيم صديقه على هذه اللفتة الجميلة ، وقال له : " لا أعتقد أنني سأستمتع بالجبن الجديد ، فأنا لست معتاداً عليه ، كل ما أريده هو جبني المفضل ، ولن أتغير أبداً حتى أحصل على ما أريد " .
هز هاو رأسه وهو يشعر بخيبة الأمل ، وجعل يؤخر رجلاص ويقدم الأخرى ، معاوداً الانطلاق بمفرده من جديد ، ومع وصوله إلى أبعد نقطة كلن قد وصل لإليها في المتاهة ، بدأ يشعر بالحنين إلى صديقه ، لكنه أدرك أنه بصدد اكتشاف شيء ما . فحتى قبل أن يعثر على ما كان يعتقد أنه كمية هائلة من الجبن الجديد أدرك أنه لم يكن يشعر بالسعادة لمجرد عثوره على الجبن .
لقد كان سعيداً لأنه لم يصبح أسيراً لخوفه بعد الآن ، وبدأ يستمتع بما يفعل .
وحينما أدرك ذلك ، لم يشعر بذلك الضعف الذي انتابه حين كان يجلس في محطة الجبن ج الخاوية ، وحينما أدرك أنه منع نفسه من أن يستوقفها الخوف ، واتخذ وجهة جديدة ؛ شعر بالحياة تدب في أوصاله من جديد .
لقد وجد الآن أن المسألة أصبحت مسألة وقت قبل أن يصل إلى ضالته المنشودة بالفعل .
وابتسم حين أدرك أنه :

من الأسلم أن تبحث في المتاهة ، من ان تبقى دون جبن .

أدرك هاو ما ، كما أدرك من قبل ، أن ما تخشاه لن يكون بنفس القتامة التي يصورها لك عقلك ، وأن الخوف الذي تتركه يسيطر على عقلك هو أخطر بكثير من الوضع القائم بالفعل .
لقد كان هاو متخوفاً لدرجة كبيرة من أن لا يعثر على الجبن الجديد ، لدرجة أنه لم يرغب في الاستمرار في البحث عنه ، لكن ما إن عاود رحلته مجدداً ، عثر على قطع من الجبن في الممرات تكفيه لمواصلة المسير . الآن بدأ يتطلع إلى العثور على المزيد و المزيد ، وأصبح مجرد التطلع إلى ما هو آتٍ أمراً ممتعاً في حد ذاته .
لقد كان تفكيره القديم مغلفاً بسحابة من الخوف والقلق ، فقد كان يشعر دائماً أنه لن يعثر على جبن كافٍ ، أو انه لن يحظى به للمدة التي يريدها ، وكان كثيراً ما يشغل باله بما قد يحدث له من مصائب، لا من مفاجآت سارة .
لكن هذا التفكير تغير في الأيام التي أعقبت تركه لمحطة الجبن ج .
واعتاد هاو أن يعتقد بأنه لا ينبغي تحريك الجبن ، وأن هذا التغيير ليس صائباً .
أما الآن فقد أدرك أن عدم التغيير أمرينافي نواميس الكون و الطبيعة ، فلابد للتغيير أن يقع باستمرار سواء توقعناه أم لا ، ولايمكنك أن تفاجأ بالتغيير ، إلا إذا لم تكن تتوقعه و تبحث عنه .
وحينما أدرك هاو التغيير الذي اعترى معتقداته ، توقف كي يكتب على الحائط :

إن المعتقدات البالية لا ترشدك إلى جبن جديد .

لم يعثر هاو على أي جبن بعد ، لكن كل ما كان يشغل تفكيره وهو يعدو في ممرات المتاهة هو ما تعلمه حتى الآن .
لقد أدرك الآن أن هذه المعتقدات الجديدة تدفعه إلى التصرف على نحو جديد ، فقد بدأ الآن يسلك مسلكاً يختلف عن مسلكه عندما كان يصر على العودة إلى محطة الجبن الخاوية .
وأدرك هاو أنك عندما تغير معتقداتك ، فأنت تغير تصرفاتك .
عليك أن تعتقد بأن التغيير قد يضرك ، وأنه لابد لك أن تقاومه ، أو يمكنك أن تعتقد بأن عثورك على جبن جديد سوف يساعدك على استيعاب التغيير والتكيف معه .
كل ذلك يعتمد على المعتقد الذي تختار أن تؤمن به .
كتب هاو على الحائط قائلاً :


عندما ترى أنك تستطيع العثور على جبن جديد وتستمتع به ؛ فستغير طريقك .

و أدرك هاو أنه كان سيصبح في حالة أفضل الآن لو أنه استوعب التغيير في محطة الجبن ج بسرعة ودون تلكؤ ، وساعتها كان سيشعر بالقوة تدب في جسده وروحه ، ويستمر في التحدي حتى يعثر على الجبن الجديد ، بل كان في إمكانه العثور عليه بالفعل لو أنه توقع التغيير ، بدلاً من إضاعة وقته في مقاومته ، بعد أن حدث بالفعل .
واستجمع هاو قواه وقرر مواصلة المسير في الأجزاء الجديدة من النتاهة وبدأ يجد بعض قطع الجبن المتناثرة هنا و هناك ، فعادت إليه بعض طاقته وثقته بنفسه .
وعندما فكر في الطريق الذي جاء منه شعر بسعادة ؛ لأنه كتب على الحائط في أمكاكن كثيرة ، فقد أيقن أن تلك العبارات ستكون دليلاً له أثناء سيره في المتاهة ، إذا اختار أن يتك محطة الجبن ج .
وتمنى هاو لو أنه يسير في الاتجاه الصحيح ، وفكر في إمكانية أن يقرأ هيم كتابته على الحوائط كي يعرف طريقه هو الآخر .
ثم كتب هاو على الحائط ما عبر عما كان يدور بخلده لفترة من الزمن :


ملاحظة التغييرات البسيطة تجعلك تتأقلم مع الغييرات الجذرية التي قد تصادفك مستقبلاً.

والآن فقد طوى هاو صفحة الماضي ، وبدأ يتطلع إلى المستقبل .
واستمر يقطع دروب المتاهة بقوة وسرعة أكبر مما مضى ، ولم يمضِ وقت طويل حتى حدث ما كان يتمناه .
وفي الوقت الذي شعر فيه هاو بأنه سيظل بهذع المتاهة إلى الأبد ، أفضت رحلته ــ أو على الأقل هذا الجزء من رحلته ــ إلى نهاية سريعة و سعيدة .
لقد عثر على جبن جديد في محطة الجبن ن !
حينما دلف إلى داخلها ، لم يصدق ما رأته عيناه : جبال عالية هنا و هناك من الجبن الذي لم يره في حياته قط ، ولم يستطع التعرف على كل الأنواع الموجودة أمامه ؛ حيث إن بعضها كان جديداً عليه تماماً .
ثم تساءل هاو للحظات عما إذا كان ما براه حقيقة أم من نسج الخيال ، إلى أن وقعت عيناه على صديقيه سنيف و سكورى .
رحَب سنيف به بإيماءة من رأسه ، أما سكورى فقد لوَح له بكفه ، وظهر من معدتيهما الممتلئتين أنهما سبقاه إلى المكان بفترة ليست بقصيرة .
ألقى هاو التحية عليهما ، ثم سارع إلى تناول قضمات من أنواع الجبن المفضلة لديه ، ثم خلع عنه حذاءه ورداء التريض ووضعهما بالقرب منه حتى إذا احتاجهما مرة أخرى تناولهما سريعاً ثم انقض على الجبن الجديد ، وحينما أخذ كفايته ، تناول قطعة من الجبن الطازج في يده و صاح : " مرحباً بالتغيير ! " .
وبينما أخذ يستمتع بمذاق الجبن الجديد ، استرجع ما مر به من أحداث وما تعلمه خلاله وأدرك أنه عندما كان خائفاً من التغيير ، فقد كان متمسكاً في الواقع بوهم الجبن القديم ، والذي لم يعد موجوداً .
وتساءل هاو : " إذن ما الذي غيرني هل هو خوفي من أموت جوعاً ؟ وحدث نفسه قائلاً : " لقد كان لذلك تأثيره " .
ثم ضحك وأدرك أنه لم يكن ليتغير لولا أن بدأ يسخر من نفسه ومما كان يرتكبه من أخطاء ، واكتشف أن أسرع طريقة للتغيير هي أن يضحك الإنسان من حماقته ، وساعتها ، سينسى ما فعل، وسوف يواصل المسير .
وأدرك هاو أنه تعلم شيئاً مفيداً من صديقيه الفأرين ، سنيف و سكورى في أمر التنقل إلى موضع آخر ، فقد كانا يعيشا حياتهما ببساطة . لم يحاولا المبالغة في تحليل وتعقيد الأمور، وعندما تغير الموقع ، وتحرك الجبن ، غيرا من أنفسهما و تحركا مع الجبن ، ولم يكن بدٌ من أن يتذكر ذلك .
استخدم هاو عقله الرائع كي يفعل ما يفعله الأقزام بأسلوب أفضل من الفئران .
وتدبر الأخطاء التي ارتكبها في الماضي ، واستخدمها كي يخطط مستقبله ، لقد أدرك أن باستطاعة الإنسان أن يتعلم كيف يتعامل مع التغيير :
كيف يأخذ الأمور ببساطة ، كيف يكون مرناً ، وكيف يكون سريع التصرف .
يتعلم ألا يبالغ في تعقيد الأمور ، وألا يقع فريسة لمعتقدات مفزعة .
يتعلم أن يلاحظ التغيرات البسيطة ؛ لكي يكون مستعداً للتغيير الجذري ، الذي قد يحدث في المستقبل.
أدرك هاو أنه بحاجة إلى التكيف سريعاً مع التغيير ؛ لإنه إن لم يفعل ذلك ، فقد لاتواتيه تلك الفرصة أبداً .
وكان عليه أن يعترف بأن أكبر عقبة تقف في طريقه تكيفه مع التغيير موجودة بداخله هو ، وأن الأمورلا تتحسن إلاَ بعد أن تتغير أنت .
الأهم من هذا وذاك ، أن هاو قد أدرك أن هناك دائماً جبناً جديداً أمام عينيك ، سواء لاحظته أم لم تلاحظه ، وأنك تستمتع به فقط عندما تتخلص من مخاوفك وتخوض المغامرة .
وأدرك هاو كذلك أنه لاضير من بعض الخوف ، إذ إنه قد يحميك من خطر محقق ، ولكنه اكتشف أيضاً أن معظم مخاوفه لم يكن لها مايبررها ، بل إنها منعته من أن يتغير في الوقت الذي كان لزاماً عليه أن يتغير .
لم يعجبه التغيير وقتها ، لكنه أدرك فيما بعد أن ذلك التغيير هدية السماء إليه كي ترشده إلى المزيد من الجبن ، رغم أنها كانت ترتدي قناعاً .
لقد عثر هاو على جزء جميل من نفسه ، وبينما كان يتذكر الدروس المستفادة ، فكر في صديقه هيم ، وتساءل عما إذا كان عيم قد قرأ شيئاً من عباراته التي كتبها على الحائط عند محطة الجبن ج أو في باقي المتاهة .
ترى ما الذي كان يحدث لو طوى هيم صفحة الماضي ، وواصل المسير ؟
ترى ما الذي كان يحدث لو دخل المتاهة ، واكتشف ما كان يجعل حياته أفضل ؟
فكر هاو في العودة مجدداً إلى محطة الجبن ج ؛ ليرى ما إذا كان باستطاعته العثور على هيم ، وهو يفترض أنه يستطيع العودة إلى النقطة التي كان فيها ، وفكر في أنه إذا عثر على هيم ، فسيمكنه عندئذٍ أن يريه كيف يخرج من مأزقه ، ولكنه أدرك أنه قد حاول بالفعل أن يجبر صديقه على التغيير.
وكان على هيم أن يجد طريقه بمفرده ، متغلباً على أوجاعه ومتجاوزاً مخاوفه ، ولايمكن لشخص آخر أن يؤدي له ذلك بالنيابة عنه ، أو أن يقنعه بذلك ما لم يكن الاقتناع داخلياَ . كان يتعين على هيم أن يشعر بمزايا التغيير نفسه .
وعلم هاو أنه قد ترك خلفه أثراً لهيم كي يتعقبه ، وأنه يستطيع بمفرده أن يجد طريقه ، فقط إذا قرأ العبارات التي كتبها هاو بخط يده على الجدران .
ثم بدأهاو في كتابة ملخص للدروس التي استفادها من رحلته على أكبر حوائط محطة الجبن (ن) ، ثم وضع كل تلك الومضات داخل رسمة لقطعة جبن كبيرة ، وابتسم وهو ينظر إلى ما كتبه :
التغيير يحدث
قطع الجبن تتحرك باستمرار
توقع التغيير
استعد عندما يتحرك الجبن
راقب التغيير
اشتم رائحة الجبن كثيراً
كي تعرف متى يصيبها العطب
تكيف مع التغيير بسرعة
كلما أسرعت بالتخلص من الجبن القديم ،
استطعت أن تستمتع بالجبن الجديد
تغيَر
تحرك مع الجبن
استمتع بالتغيير
تذوق طعم المغامرة
واستمتع بمذاق الجبن الجديد
كن مستعداً كي تتغير بسرعة
واستمتع بالتغير من جديد
قطع الجبن تتحرك باستمرار

أيقن هاو إلى أي مدى قد وصل منذ أن كان برفقة هيم في محطة الجبن ج ، ولكنه أدرك أنه من السهل أن يعود إلى ما كان عليه لو أفرط في الراحة ، فقام كل يوم بتفقد الجبن في محطة الجبن ن ؛ كي يطمئن إلى مخزون الجبن فيها ، وكان على استعدادليفعل أي شيء كي لايفاجأ بأي تغيير لم يضعه في الحسبان .
وعلى الرغم من أن لديه مخزوناً كبيراً من الجبن ، أصر هاو على أن يخرج ليتجول في المتاهة كي يكون على علم بما يحدث من حوله ، فقد أدرك أنه من الأسلم له أن يبقى على علم بالواقع من حوله ، بدلاً من أن يعزل نفسه في صومعته المريحة .
ثم أنصت هاو إلى صوتٍ ، ظن أنه صوت حركة بالخارج ، وحينما أخذ الصوت يعلو تدريجياً ، أيقن أن شخصاً ما كان يقترب منه .
هل كان هيم ؟ هل كان يوشك على أن يظهر من بين أحد الأركان ؟
دعا هاو و تمنى ــ كما فعل كثيراً من قبل ــ أن يتمكن صديقه في النهاية من أن …

يتحرك مع الجبن و يستمتع بذلك ! !

مناقشة
في وقت لاحق من ذات اليوم
عندما انتهى مايكل من سرد القصة ، نظر في أرجاء الحجرة فشاهد أصداءه السابقين وهم يبتسمون .
و بعد ذلك سألت أنجيلا برقة وود : "أي الشخصيات تمثلكم في القصة ؟ سنيف ، سكورى ، هيم ، هاو ؟ " .
و أجاب كارلوس : " ذات مرة قبل أن أعمل في بيع المستلزمات الرياضية عندما مررت بتجربة قاسية مع التغيير .
إنني لم أكن " سنيف " فلم أكتشف حقيقة الموقف ، ولم أفهم التغيير بسرعة ، وبكل تأكيد لم أكن سكورى ، حيث إنني لم اتسرع للقيام بعمل ما .
إلا إنني كنت أشبه كثيراً " هيم " الذي أراد أن يبقى في منطقة مألوفة والحقيقة هي أنني لم أرد بالفعل التعامل مع التغيير بل حتى لم أرد تفهمه " .
وقال فرانك : " إن هيم يذكرني بأحد أصدقائي ، حيث كان القسم الذي يعمل به على وشك الإغلاق ، ولكن لم يرد تفهم هذا ، وأخذوا ينقلون من كانوا يعملون معه إلى أقسام أخرى ، وحاولنا التحدث إليه بشأن الفرص العديدة الأخرى الموجودة بالشركة لأولئك الذين يتسمون بالمرونة ، ولكنه اعتقد أنه اعتقد بأنه ليس في حاجة إلىالتغيير ، وكان هو الشخص الوحيد الذي اندهش عندما أغلق القسم ، والآن فإن من الصعب عليه أن يتكيف مع التغيير الذي لم يتوقع حدوثه " .
ثم علق قائلاً : " وهذا هو مافهمته من القصة . إنني أميل إلى أن أتعامل مع الأمور بجدية شديدة ، وقد لاحظت كيف تغير" هاو " عندما استطاع في النهاية أن يسخر من نفسه وممَا يقوم به ،فلا عجب أن يكون اسمه " هاو " .
وسألت أنجيلا : " هل تعتقد أن " هيم " تغير ووجد جبناً جديداً ؟ " .
وقال إليان : " أعتقد أنه فعل ذلك " .
قال كورى : " أنا لا أعتقد ، فيعض الناس لا يتغيرون أبداً ، وإنهم يدفعون ثمن ذلك .
قال ناثان : " إنني أخمن أنه من الأفضل كثيراً أن نبادر بالتغيير وفي الوقت نفسه نحاول أن نتفاعل أو نتكيف مع التغيير . ربما يتوجب علينا أن نحرك الجبن الخاص بنا " .
قال ريتشارد : " إن مديري يقول لي دائماً إن شركتنا تحتاج إلى التغيير ، والآن أعتقد أن ما قصده حقاً هو أنني أنا الذي أحتاج إلى التغيير إلا أنني لم أكن لأضغي إليه و أحسب حقاً أنني ما علمت أبداً ما يعنيه الجبن الجديد الذي كان يحاول أن يحركنا نحوه ، وكيف يمكنني أن أكسب من ورائه " .
وعبرت ابتسامة عريضة على وجه ريتشارد وقال : " لابد أن أعترفأنني أحب فكرة الجبن الجديد وأتخيلك مستمتعاً به ، إنها فكرة تضفي البهجة على كل شيء ، إنها تقلل من الخوف وتجعلك أكثر شوقاً لحدوث التغيير " .
وقالت أنجيلا : " قد يكون الجبن القديم مجرد سلوك قديم ، والذي نحتاجه حقيقة هو أن نتخلص من السلوك الذي يتسبب في إفساد علاقتنا ، وبعد ذلك نستمر في اتباع أسلوب أفضل للتفكير والعمل " .
وعلق كورى : " فكرة جيدة . إن الجبن الجديد هو علاقة جديدة مع نفس الشخص " .
قالت جيسيكا : " إنني ذاهبة إلى المزل لأحكي هذه القصة لأسرتي ، وسوف أسأل أطفالي أي أبطال القصة يشبهني سنيف أم سكارى أم هيم أم هاو ، وما عساهم يعتقدون في أنفسهم ، وإننا لنستطيع التحدث عمَا هو الجبن القديم بالنسبة للعائلة ، وكيف يكون الجبن الجديد . "
قال ريتشارد : " إنها لفكرة جيدة " .
قال مايكل : " هكذا قمنا بتطوير عملنا " .
" وباختصار ، فالتغيير المفروض هو التغيير المرفوض " .
وأضاف مايكل : " لقد تمنيت لو أني قد سمعت قصة الجبن هذه قبل اليوم " .
وأضاففت بيكى: " في العائلات يحدث نفس الشيء مع الآباء و الأبناء " .
وبعد ذلك سألت : " كيف اختلفت الأمور بعد سماع الناس لقصة الجبن " .
وقال مايكل ببساطة : " لقد تغير الناس ؛ لأنه لايوجد فرد يريد أن يشبه ( هيم ) " .
وضحك الجميع ومعهم ناثان ، الذي قال : " إنها نقطة جيدة لا أحد في عائلتي يريد أن يشبه ( هيم ) .
ربما يتغيرون . لماذا لم تخبرنا عن هذه القصة في اجتماعنا الأخير ؟ فقد كان ذلك حرياً بأن يؤثر حقاً" .
لقد قدم ذلك لجيسيكا أفكاراً عديدة وذكرها بأنها قد تلقت بعض طلبيات البيع صباحاً ، ونظرت إلى ساعتها وقالت : " لقد آن لي أن أترك محطة الجبن هذه و أبحث عن جبن جديد " .
وضحك الجميع وبدؤوا يودعون بعضهم البعض ، وعندما جاء وقت الرحيل شكروا مايكل مرة ثانية.
وقد قال : " إنني في غاية السعادة للاستفادة من القصة ، وأتمنى أن تنتهزوا الفرصة لكي تشاركونا إياها قريباً مع الآخرين " .




لا تنسو الردود



لا تنسو أنا ولد ليس بنت



اخر مواضيع سكون الليل999 في المنتدى

سكون الليل999 is offline   الرد مع إقتباس
قديم 11-05-2008, 07:20 PM   #2
عضو مسجل
 
الصورة الرمزية لـ طاير في السماء
 
تاريخ التسجيّل: May 2008
الإقامة: lمصر
المشاركات: 150
طاير في السماء is on a distinguished road
إرسال رسالة عبر بريد الياهو إلى طاير في السماء
يا ولد الله عليك بس طويله اوي
اخر مواضيع طاير في السماء في المنتدى

طاير في السماء is offline   الرد مع إقتباس
قديم 18-05-2008, 11:57 PM   #3
عضو مسجل
 
الصورة الرمزية لـ الرجل العنكبوت
 
تاريخ التسجيّل: May 2008
الإقامة: مصر
المشاركات: 11
الرجل العنكبوت is on a distinguished road
شكرا
اخر مواضيع الرجل العنكبوت في المنتدى

الرجل العنكبوت is offline   الرد مع إقتباس
 
   
المشاركة في الموضوع


خيارات الموضوع
طريقة العرض قيّم هذا الموضوع
قيّم هذا الموضوع:

قوانين المشاركة
لا يمكنك إضافة موضوع جديد
لا يمكنك إضافة مشاركات جديدة
لا يمكنك إضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
Trackbacks are غير متاح
Pingbacks are غير متاح
Refbacks are غير متاح


جميع الأوقات بتوقيت مكة المكرمة. الساعة الآن » 06:11 AM.

ترجمة كلمات - دليل مواقع ابن مصر - مواقع صديقة - منتدى ابن مصر
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45

Powered by: vBulletin الاصدار 3.6.4
Copyright ©2000 - 2013, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.3.1 ©2009, Crawlability, Inc.